ذات نهار فاجأني سؤال شيخ سبعيني ذو سحنة تتلألأ بالبياض، عن تصوري للجنة. وبِرَدّ الواثق من صور تشكلَّت في الخاطر وظلت عالقة في العقل، أجبتُ مستعينة بكل ما احتفظتُ به في وجداني من آيات قرآنية تصف الجنة، وبأحاديث شريفة تفسر الصور وتشرح تلك الأوصاف.
إضافة إلى ما استشهدت به مما كان يردده الخيرون من السلف عن أنهار العسل، وبساتين من الأعناب والتين، وأصناف الثمار اليانعة. عن حور العين، وعن الفواكه والأزهار والعطور والحرير والنعيم، عن الود والتآلف اللذين يسودان بين البشر؛ تلك ملامح من الجنة. وكأن الشيخ رياض لم يكن يصغي لإجابتي البديهية فأعاد السؤال بالهدوء واليقين نفسيهما.
فهل اعتبر إجابتي خطأ ؟ أم أنها لم توافق تصوره وهواه؟ ولم تُشبع قناعته ربما، فكانت النجاة وقتها هي الغاية بالنسبة لي، للخلاص من جدل قد يدفع إلى هاوية الشك، أو إلى سفسطة لا توُرٍث سوى شعور بالعبث.
وحين أدرك بأني لن أكلف نفسي مشقة إخباره بالمزيد، واصل هو الحديث عن الكوابيس التي استوطنت أرواح الناس، عن جوعهم للمزيد من المال، عن استشراء الغلاء، عن مزاحمة البشر لبعضهم في مواقع السكن والعمل والتسوق ومرافق الحياة. عن العمران واكتظاظ الأرض بكل ما من شأنه أن يخنق الهواء، ويجلب الشعور بالكآبة، عن شيوع الحقد والأنانية، ومشاعر الحسد من نجاحات الآخرين، عن البحث العبثي عن السعادة؛ ذلك السعي الفاشل غالباً. عن سياسة البقاء للأقوى ودوافع الحروب الحمقاء. عن الأمن المفقود اليوم في بلاده، وكانت ذات يوم حلم المنعمين.
لم تتغير نبرة صوته ولا نظرة عينيه الممتدة نحو الأفق كمن يستجلب منه براهين الكلام.
ثم تحدث عن لبنان البديع قبل أن تمطره حرائق الحقد البغيض، وعن بقاع توافر فيها جمال الموقع والطبيعة والمناخ؛ مؤكدا أنه كلما كان يزورها شحنه منظرها بمشاعر المتعة، يقول.. هكذا عرفت بأن هذه هي الجنة.
الجنة يا سيدتي هي القدرة على اكتساب الإحساس بالجمال، والشعور بالرضا.. هي القدرة على اكتساب الرغبة في تقاسم الأحلام.. القدرة على اكتساب الإحساس بالمتعة.. هي شعور معنوي وليست أمراً مادياً يمكن أن أشاهده بعيني، وألمسه بيدي وبحواسي؛ بل بأحاسيسي.
الجنة تحيط بنا؛ لكننا لا نعرف كيف نكتسب إحساساً بالمتعة بها.
نعم.. الجنة في تصوري هي اكتساب القدرة على الاستمتاع بالجمال الذي يحيط بنا. أؤكد لك أنني هنا في بلادكم أشعر بأني في الجنة؛ لأني استطعت اكتساب الشعور بالأمان.. الأمان اليوم هو الجنة بالنسبة لي.
لكن كيف يدرك الآخرون أن الجنة هي القدرة على اكتساب الإحساس، وكيف تتحقق هذه القدرة؟! هذه هي المعضلة.
الجنة كما رأيتها لا تختلف عما يحيط بنا من جمال ونِعَم؛ ما يختلف هو إحساسنا فيها وبها. حين توصلت إلى هذه القناعة قررت ألا أضيِّع مزيداً من الوقت في انتظار تلك النعمة، وهاأنذا أمارس مشاعر العيش مبكراً فيها لأحظى بمزيدٍ من الوقت، وأكسب إحساسي بالمتعة؛ لعلي أفوز باغتنام النعمتين.