كثيرون يتكلمون أكثر مما يعرفون، باعتبار أن الكلام أسهل ما يمكن أن يفعلوه، والقليل من الناس يتكلمون أقل بكثير مما يعرفون، ربما لأنهم يدرون ما يقولون ومتى يقولونه.

وبسبب هذا التباين نجد الكثيرين من مدعي الثقافة إن حضروا مؤتمرا أو محاضرة يبدأون بالحديث عن ذاتهم وتجاربهم، ليطرحوا من بعدها سؤالهم على المحاضر، وهكذا لا يلتزمون بالوقت الذي يفترض أنه مخصص لكل من يريد أن يطرح سؤاله أو يسرد مداخلته، وفي هذه الحالة تتردد عبارة الرجاء الالتزام بالوقت، إذا الوقت ملك لجميع الحضور وهناك من يحاول أن يحتكره لأقواله التي قد تبدو في العديد من الأحيان بعيدة عن ما يدور في المحاضرة، ومكررة يقولها المتحدث في كل مناسبة.

كل هذا يدفعنا للقول إن فن الصمت أهم بكثير من فن الكلام، هذا بالنسبة للحديث العادي، فكيف سيكون الأمر بالنسبة لرواد الأمسيات الثقافية، وفيها وجب على المتحدث أن يعرف ماذا يقول، وكيف ومتى يبدأ، ومتى ينتهي كي يكون حديثه مجديا، وبالتالي لا يفقد الكلام معناه، خاصة، إن تذكرنا أن الإنسان عندما يكتب أو يرسم أو يعزف أو يشاهد مسرحا، أو فيلما، لا بد أن يكون صامتا، إذا الصمت يرافق لحظة الإنتاج والإبداع ويقود إلى التأمل في أحيان كثيرة.

وفي المحصلة لن يكون الحديث دفقه من الكلمات التي تقال لملء مساحات من الزمن إنه وسيط للتعبير عن حالات عديدة فلماذا يجعلها الإنسان مشاعا لكل عابر وبالتالي تحتسب عليه تصريحاته، وفيما بعد تغيير مواقفه.

هل كل ما يحيط هؤلاء المتحدثين يدفعهم إلى الحديث غير المسؤول؟ والصحف والمجلات التي تجسد الكلام بشكل مادي ملموس تبرهن كيف تتبدل الآراء، وكيف تتناقض الأحكام، وكل هذا ناتج عن الأهواء المبعثرة مع الكلمات، وكأن هناك اتفاقية ضمنية بين من يسمع وبين من يقول، على تقبل عدم المصداقية فالشيء الوحيد الذي يمتلكه المرء وهي أقواله ربما يعبث بها بجدارة، أو يبدلها بحسب التيار السائد، وهنا نرى بمقياس كل المعايير أن الآراء لم تعد تتجاوز كونها أهواء تتلاءم مع قائلها، وهذا ما يدفع الكثيرين للقول: «إن لم يصمت الإنسان أليس باستطاعته مراقبة كلامه».

وبعيداً على أن الصمت يجنب الإنسان الكثير من المآزق فللصمت قوة جعلت من الروحانيين الهنود الذين يلقبون بـ «الموني» يعيشون أكثر من ثلاثمئة سنة، لأنهم لا يتكلمون مطلقا، فالامتناع عن الكلام يجعل التنفس منظما، وهادئا، كما لجأ المتصوفة الذين يذهبون إلى الماوراء إلى الصمت.

وهذه القوة جعلت الشاعر الألماني رايز ماريا ريكله يقول:

«لاشيء قويا قوة الصمت، ولو لم نولد في عمق الكلمة، لما كان من انقطاع عن الصمت».

Abeer_ younes@hotmail.com