مع أول حرف من هاجس يطرق خواطرنا أو يجتاح مسامعنا، سرعان ما يكتسحنا الفضول أو ربما الريبة؛ فتأخذنا إلى سبيلها، نندفع بلا تفكير، وبلا حرص على تشكيل الكلام أو هيئته. نتمنطق بالظنون، ونسرج أفكار الظلام السوداء، نمتطيها فتعدو بنا ولا نعد الخطى، ولا نقيس مسافات المواجهة، ولا نتعطل حتى لبرهة قصيرة، عسى أن تعيقنا أو تجنبنا ولو شيئا من نتائج القرارات المتحفزة والمتهيئة منذ لمعة الشرارة الأولى.

هكذا يستفزنا وجه واحد من الحقيقة، يحرِّضنا على غضب متوحش يقتحم صباحا شتائيا يستجدي نعمة الاسترخاء الدفيء، هي ثورة تقضي على كل شيء ولا تبقي لذي قيمة معنى، ولا تفسح الوقت ولا المكان سوى لكبرياء مُتقِد خارج الزمن، مجهول الانتماء؛ لا عاطفة تخفف غِلظته فيخفض بها (جناح الذل من الرحمة) ولا أهداب حانية ترخيها عبرة، ولا هديً يوجهنا إلى سواء السبيل، أو أمل لا يجلب الألم ولا يردع فجور خصامه.

ونجري في الفلاة على جمر التأويل، نطوي الطريق طيا؛ فلا تقصر بل تتمطى أمامنا شاسعة ممتدة مغوية مثل السراب في اللظى.

لكننا لا نبلغ إلا الجفاف، ولا نستطيع الوصول إلا للظمأ البالغ المستغرق على منصات العذاب، وندم يمضي مع خطوة خرقاء تدلت منها اليقظة، وسالت من عيون الود حريق يشعل في العروق شرايين الغضب المجاني، يكتسح الأحلام، ويقوِّض ما أنجزته الأيام؛ في لحظة اكتسى فيها وجه الحقيقة القريب بغلالة خفيفة متموجة بينما تدلت عن وجهها البعيد.

لمَ نسرف في الوقت ونصرفه بعيداً عن ميدان التريث وعن بصيرة الوجدان؟! بينما كل ما نحتاج إليه ربع انحناءة، أو محض التفاتة تفتح لنا النور.

من ذا الذي يدفع بالوحدة إلى مركز الاهتمام، ويصم أذنه عن طرقات الروح المستجيرة في أوج رجائها وقد غابت عنها للحظة نعمة الأمان؛ فوقعت في فجاءة الخوف المتربص بظهرها، يباغت البوح المتخثر منذ زمن في انتظار فرصة لعلها من ذهب؟!

هكذا حين ترفع أشرعة الظنون في وجه الريح يغذي العذاب خطاه نحونا يعطب أرواحنا؛ ويتطاول على أعمارنا، فيطال كل شيء، لا يستثني؛ حتى الشوارع الفارغة من الحياة، وأسفلتها القاتم المعفر بلون الشك.

كيف يغني الشعور برضاً، أو يرتسم ابتسامة بعد ما نُفذ حكم اليأس على النيات؟

وكيف لا يسود الدمع طويلا، وكيف لا يتواصل النداء؟ بينما الأحاسيس المستحيلة تتسلق بلا غطاء، ولا عذر.

متى تنسحب الحيرة؟ وهل يكون للصفح مكان في الأذهان؟

طالما تعامت العيون عن أدلة البراءة المثبتة في وجه الحقيقة، يا لَشَرك الظنون، ويا لرَهَق (الرشا من وِرد يزيدها عطشا).

falhudaidi@albayan.ae