كنت في حفل أقيم للاحتفال بعيد القديس يوحنا، وكانت هناك منصات للرماية بالبنادق الخفيفة وأكشاك تقدم مأكولات بيتية. والأمر الوحيد الغريب أنه من زاوية معينة في هذا الشارع الذي يضم منازل مكونة من طابقين يمكنك رؤية أعلى المباني في العالم، وهذا الحفل الريفي التقليدي يقام في قلب مدينة نيويورك.
فجأة بدأ أحد المهرجين بتقليد كل إيماءاتي. ضحك الناس وبدا لي ذلك طريفاً بدوري، وفي النهاية دعوته إلى فنجان قهوة. قال لي المهرج: «التزم بالحياة، واستمتع بها بهز ذراعيك، والقفز، وإحداث الفوضى، والضحك، وتجاذب أطراف الحديث مع الآخرين، لأن الحياة نقيض للموت تماماً. إن الموت هو بقاء على الوضعية ذاتها دوماً. وإذا التزمت الصمت، فإنك لست على قيد الحياة».
***
عندما أُدخلت إلى مستشفى الدكتور إيراس، بدأت أعاني أزماتٍ قوامها الخوف. ذات يوم قررت استشارة الطبيب النفسي المسؤول عن حالتي، وأفضيت إليه: «أيها الطبيب، إن الخوف يتملكني، ويخطف سعادة الحياة مني». قال الطبيب: «هاهنا في مكتبي فأر يلتهم كتبي، فإن أصبت باليأس حيال ذلك الفأر، فإنه سيختبئ مني وسأستغرق وقتي كله في مطاردته.
لذا فإني أضع كتبي الأكثر أهمية في مكان آمن وأترك له البعض الآخر ليمضغه». وأضاف: «بتلك الطريقة، سيظل فأراً صغيراً ولن يصير ضخماً. فلا تخف من بعض الأمور، واجمع مخاوفك كلها فيها، كي تتحلى بالشجاعة لمواجهة المخاوف الأخرى».
***
بينما كنا وقوفاً في انتظار رحلة جوية مليئة بمحطات التوقف قال أحد أصدقائي: إن الحياة هي في الوقت نفسه أن تكون على استعداد لقول وداعاً، ولكن الطبيعة تتسم بالحكمة. فهي تعالج الروح بالطريقة ذاتها التي تعالج بها الجسد. إننا نمر بثلاث مراحل في المرض الذي يسمى الوداع، الأولى تتمثل في الرفض والقول: غير صحيح، لا يمكن أن يكون الأمر كذلك!
يليها اليأس والثورة والقول: لا يمكن حصول ذلك، لطالما حاولت أن أعطي أفضل ما لدي!
ختاماً يجيء القبول، إذا عايشنا كل مرحلة من هذه المراحل من دون الشعور بالخجل ومن دون محاولة لسلوك طريق مختصر، فستقوم الحياة بجعل الجرح يلتئم. ولكنها تأخذ المقوم ذاته الضروري لعلاج مرض الجسد وهو الوقت. حقاً لدي أصدقاء يتسمون بالحكمة.
***
وفي السياق ذاته بالتحدث عن الأصدقاء الحكماء، أتذكر أنه قبل سنوات خلت، في وقت كان الناس يرفضون الإيمان رفضاً قاطعاً، كنت وزوجتي وأحد الأصدقاء في لوير لبلون في ريو دي جانيرو. كنا قد احتسينا بعض الشراب عندما تقدم منا صديق قديم لي من أيام الطيش في الستينات والسبعينات والذي دخل فيما بعد مدرسة اللاهوت. بدأ بالحديث عن الله وكنا نرد على كل ما يقوله بسخرية.
وعندما غادرنا المطعم، أشارت صديقة في مجموعتنا إلى طفل نائم على الرصيف. وقالت: «هل رأيت مدى قلق الله على العالم؟» «بالتأكيد، فقد أبقى الطفل هناك وتيقن من أنك سترينه كي تفعلي شيئاً حيال ذلك».
تلك العبارة كانت بداية عودتي إلى مسيرتي الروحية.
ترجمة: كوثر علي