امتد شعر عائشة أرناؤوط ليسكن روايتها الأولى «أقودك إلى غيري» وعبر أزمنة متداخلة من الحاضر إلى الماضي، ومن الماضي إلى الحاضر رصدت تطور شخصية مريم الفتاة التي ترعرعت في دمشق خلال ستينات القرن الماضي.

مريم التي تعيش في محيط أسرة مثقفة، تصطدم حريتها مع مجتمع لا يتفهم طموحها وتجاربها، لكن ساروس الذي يعنى باليونانية «دورة الخسوف» ومرافقته لها كائنا لا مرئيا لا يراه أحد سواها، وكأنه قرينها أو ضميرها الحي الذي يجعلها تواجه وطأة الحياة، ومريم لم تجد قرينها بل هو من أوجد نفسه بلا اسم، إلى أن اخترعا معا اسما تناديه به.

ساروس الذي تنساه تماما وهي تعتني بالجنود الجرحى الذين عادوا من جبهة حرب حزيران، ربما لأنه يلتصق بإنسانيتها أكثر من أي زمن مضى.

وفي أجواء واقعية وخيالية على أرض تنبسط إلى ما لا نهاية، وتمتد امتداد الضوء الذي يحيطنا من كل صوب، تعبر عائشة أرناؤوط عن الكائنات ومشاعرها، وتطورها المتأثر بتيارات وأفكار الغرب الفلسفية، والفنية والفكرية أمثال سارتر، وبازوليني وموليير. انها أفكار اجتاحت مجتمع الستينات، هذا المجتمع الذي لم تقف عنده بل عادت عائشة أرناؤوط لنبش أقول المتصوفة، وابن عربي مستحضرة جملته «من كان وجوده العدم في القدم كانت غربته الوجود».

كما استعارت عالم الجن كحيلة إبداعية لقراءة المستقبل بأسلوب مقنع، أضاف إلى روايتها ألقا يداعب الخيال مرتفعا «بالكمون القمري» الذي جاء حيلة إبداعية مقنعة لأجل أن تقرأ مريم مستقبلها، أو غائصا ضائعا في حكايات البحر مع الحوريات، إلى أن تنتهي مع ذوبان ساروس مع كل جهات الضوء متزامنا مع دورة الخسوف.

وهكذا تبرهن الروائية التي تعيش في فرنسا منذ العام 1978 على أنها تمسك بخيوط الرواية وتحركها بحرفية مشبعة بروح الفلسفة، جاء في الرواية « لا تأت إلي فإنني أقودك إلى غيري، أليست غيري هي الذات المتحولة في المثول الهارب للحظة، والمكان»، لكن عائشة رفضت أن تضع الجملة كما هي لأنها أعادت صياغتها من جديد بعد أن أضافت تأويلها الخاص، كاشفة عن غربة الوجود الضاربة في الزمن والمستمرة في الأبد.

حاولت الكاتبة أن تحللها بصدق من خلال الشخصية الرئيسية، والشخصيات الفرعية التي لم تتدخل في الحوار إلا نادرا لإبراز فكرة ما، أو مجموعة من الأفكار التي تطرحها، وإن تحايلت على الأحداث لكنها لم تخرج عن نطاق السيرة الذاتية الممزوجة بالفنتازيا.

وهذا ما منح الرواية قيمتها الأدبية فالأدب يترفع عن مستوى الحديث العادي، خاصة وان عائشة لم تستهن بالإسهاب ووظفته في كل حدث من أحداث روايتها، بعد أن أغراها الفن الروائي، فابتعدت عن الشعر بعد مجموعة من الإصدارات، وبهذا تنضم إلى الكثيرين من الشعراء الذين أغرتهم الرواية فجاؤوا إليها متدثرين بغطاء الشعر.

Abeer_ younes@hotmail.com