لست أذكر الآن وفي هذه اللحظة تحديداً السياق الذي أوصلني لهذا الاستنتاج حين وجدت نفسي أرد على محدثي وهو يخبرني مستاءً عن اكتشافه الذي ناقض انطباعه الأوَليّ كما قال لأعلق (هذا ما يمكن أن يوصف بالجمال القبيح).

ينظر المرء بإعجاب مغلًّف بالمتعة، ويمعن النظر في ملامح بعض الأشخاص وقد أبدع الخالق صنعه في رسم تقاطيعهم من دون خطأ أو حتى خط خارج عن النسق مما قد يمثل تشويهاً لهذا التناسق الفريد فلا يملك المرء إلا أن يسبِّح الخالق على دقة وبراعة تكوينه. ينطبق هذا الفعل أمام مشاهدات لكثير من إبداعاته سبحانه في الطبيعة وفي الحياة.

وعلى الرغم من اشتمال كثير من موجودات الطبيعة على عوامل الإبهار ومخزون من الغموض والأسرار؛ إلا أن الإنسان وحده يبقى في رأس قائمة التفوق على كل هذه المخلوقات والموجودات، من حيث حياكة الأسرار ومن حيث الغموض الذي لا يكون فطرياً بقدر ما هو براعة الاكتساب بل اصطناع قناع دخاني سميك يقتنيه أحدهم كما يقتني زيا تقليديا يرتديه بلا تكلف متى شاء.

كثيرة هي الوجوه اللافتة التي تشد النظرة الأولى وتدهشها، وقد ينجذب المرء إلى الاقتراب منها، ثم يكتشف ضرورة الاكتفاء بالدهشة الأولى، محاولا البحث عن وسيلة للكف عن التواصل مع هذا النموذج البشري، وقد تأكد له بأن الاستمرار في التعامل ليس محمودا على الأرجح.

لكن كيف يمكن للمرء اكتشاف الآخر وقد ترعرع على شعارات وعبارات تصحبه في نهاره، وترافقه حتى وسادة الهجوع في المساء.. تطرق ذهنه، وتتردد في أعماقه صدى تغزه ذبذباته وتحاكيه بتحدٍ.. (هل تعرف فلان؟ نعم. هل عاشرته؟ لا. إذن أنت لا تعرفه) ليعود إلى مساءلة نفسه بل ومحاسبتها وضرورة أن يقترب من الآخر فيعاشره ليعرفه ثم يحكم.

ألا يكفي المرء موقفا تلقائيا ليكوِّن رأيه؟ ألا تكفيه إشارة يبني عليها؟ طالما حفظ من جملة الشعارات (أن الحر تكفيه الإشارة)!

وهل عليه أن يعيش التجربة متجاهلاً تجربة من سبقوه فقط ليكوِّن حكمه الخاص المجرد؟! لاشك أن في هذا جانب من الحكمة؛ إنما على المرء كذلك أن يتذكر ألا شيء مطلق حتى الحكمة.

ولو أدرك أن المشاهدات والأحداث والمواقف التي يمر بها ليست مصادفة، وإنما هي إشارات؛ على المرء أن يعمل عقله فيربط في ما بينها ربما يتيح له ذلك الاستدلال على السبيل السوي.

ذلك لأن المرء اليوم محاط في الغالب بنماذج شخصية مركبة لا يحتاج كبير جهد ليكتشف ملامحها الداخلية من قبل أن يضلله جمالها الخارجي، نماذج يعلن سلوكها اليومي عن نرجسية وغطرسة وتعال. شخصيات أبرز مظاهر سلوكها مبادرة تبدو إيجابية تجاه الآخر؛ لكن سرعان ما يكتسحها مظهر الانفعال العنيف في ردود فعل عاجلة وحادة.

وكأنها بذلك تؤكد على مبدأ (خير وسيلة للدفاع هي الهجوم) حتى لو لم يوجد مهاجم متحفز أصلا حسب تصورها، إنما هو استعداد دائم لشعور ملازم لدى البعض بأن هناك عدوا متربصا في المحيط تجدر مباغتته. فكيف تمكن ديمومة التواصل مع أمثال هؤلاء الناس؟ أو العمل ضمن دائرتهم؟ وغالبا لا يؤدي ذلك إلى أي إنتاج ولا يحقق أي نجاح. إذن ليكتفي المرء منا بالدهشة الأولى تجاههم، والانصراف إلى الإلهام والإنجاز بسلام.

falhudaidi@albayan.ae