يُدخلنا في رحابه؛ يشد رؤوسنا ويطبق شفاهنا ويدعونا إلى التفكير. يصحبنا إلى بحار الضياء، ثم يرسو بنا على شواطئ النور، لصمته حديث مسموع حين يرتشف معنا القهوة وهو يجالسنا، ثم يكاشفنا فيطغى على هلع الوحدة التي تكتسحنا، والخرس الذي يكبّلنا؛ فيطلق ينابيع الخواطر حتى تجري على الألسنة.
يرافقنا إلى المخادع ليغمرنا بالبهاء الفضي والوسن الجميل، ويعيننا على تشكيل الأحلام السماوية، ثم يرشدنا إلى سبل النجاح، مزحوم جدا؛ لكنه لا ينشغل عنا ويتمنى أن نلتقيه في كل حين. يهتم بنا ويحزن لانصرافنا عن الاهتمام به؛ فلا يمل من انتظارنا، وهو مركون على أرفف الخزائن المغلقة، والمكتبات المهجورة.
ينظر إلى عيوننا مباشرة ويتساءل عن حضوره في رحلاتنا والفائض من أوقاتنا، وفي مناسباتنا. (يفيدنا ولا يستفيد منا، يزيدنا ولا يستزيد منا) يهذبنا ويقوِّم سلوكنا ويشحذ مهاراتنا، يصيغ وعينا، ويدفع بنا إلى بوابة الثقافة.
تصطبغ المدن بدلالاته؛ فيزكّي حضورها حيث ترتسم آثاره في ملامح المباني والطرقات والمرافق. على متنه تنطلق رسالة إلى المدن النائمة توقظ الرغبة في العمل وتقدم لها أجود الرؤى. وبلا عداوات يحفظ للأمم مناراتها ويهيئ مساراتها.
وهاهو يزورنا؛ يحضر بكل ثقله؛ مشدداعلى تواصله معنا، يأتي مجللا باحتفاء يليق به، ونحن نتهيأ بأن نهرع له؛ محملين بالعربات الخالية لنرفد المكتبات المشغوفة.
أيها الكتاب.. ها أنت تشاهد يومياتنا الغاصة بالشلل؟! فكيف نُحسن مرافقتك؟! ومن بوسعه أن يحرر خطانا المقيدة فنتمكن من لقائك، ونمضي نزهاتنا معا، من دون أن نتأخر في الوصول إليك؟!
وها نحن نقبل عليك بأمل ألا نعود أدراجنا فنرجع إلى الوراء؛ لأن الستائر على أرففك قد أسدلت، والأنوار في قاعاتك قد أطفأت، والأبواب في حرمك قد غُلّقت، ولأن وقتك المتاح قد انقضى، فلا يفجأك غيابنا إذا نحن حاصرنا السيل المعدني، في ساعات تُسمى ساعات الذروة، فهي ممتدة على مدار الساعة ومنها وقتك المتاح.
فليس أمتع من الكتاب؛ حتى وهو يجمع بين المتناقضات.. فيأتي (بالشيء وخلافه، وهو رفيق مطيع، وجليس لا يطري ولا يمل، وهو نعم المدّخر والعدة، ونعم الأنيس والقرين والزائر والنزيل. ينطق عن الموتى ويترجم عن الأحياء، وهو أكتم من الأرض، وأنم من الريح).
محض أمنية في حضرة الكتاب.. أن يخصص لموعد قدومك «إجازة» تتوقف فيها العربات، وتسلك فيها المسارات والطرقات لنحظى بشرف ومتعة التقائك بما يليق!