لا يزال من غير الممكن أن يكتب المرء داخل قطار، بسبب كل الاهتزاز الذي يحدثه. ففي محطات القطار ألتقي أشخاصاً، وأتحدث إليهم، وأتعلم الكثير من أعينهم ومن الكلمات القليلة التي نتبادلها. البعض يسرد القصص، وآخرون يتحدثون عن مدنهم والمناطق التي ينحدرون منها.

قال لي أحدهم ذات يوم: «أتعرف أين أنت في الوقت الراهن؟ إنك في محطة القطار، إلى جانب عدة أشخاص آخرين، وفي هذه اللحظة هناك احتمال كبير أن يحمل أشخاص عدة في أفئدتهم الآمال واليأس ذاته الذي تحمله.

فلنمض قدماً: أنت تُعد نقطة بالغة الصغر على سطح كرة. وهذه الكرة تدور حول نفسها، حيث تقع تباعاً في زاوية صغيرة في مجرة، إلى جانب ملايين الملايين من كرات مماثلة.

«هذه المجرة جزءٌ من شيء يسمى الكون، مليء بكتل نجمية ضخمة. إن أحداً لا يعرف تماماً نقطة بداية ونهاية هذا الكون.

«رغم كل ذلك، لا تسمح لتعب الرحلة أن يتغلب عليك: فأنت تقاتل، وتبذل جهوداً جبارة، وتحاول التحسن، تراودك أحلامٌ، وتصبح سعيداً أو حزيناً بسبب الحب الذي تعيشه. إن لم تكن على قيد الحياة، فإن نقصاً ما سيطرأ».

«لا أعرف أين وجد الرجل هذه الكلمات (فقد كان يقرأ من قصاصة ورق)، ولكنها كلمات كنت بحاجة إلى أن أستمع إليها في تلك اللحظة».

وبعد محطتين، قال لي أحد القراء قصة عن نجار ومساعديه يسافرون في مقاطعة «قي» في ذلك الوقت كنا قريبين جداً من الصين، بحثاً عن مواد بناء. رأوا شجرة عملاقة، كبيرة إلى درجة أن خمسة رجال اجتمعوا ولم يستطيعوا تطويقها، وطويلة جداً لدرجة أنها كانت تلمس عنان السماء.

قال رئيس النجارين:«فلنذهب من هنا، ولا نهدر وقتنا بسبب هذه الشجرة، إذ إن قطعها سيستغرق وقتاً. فإذا أردنا صنع قارب، فإن ثقل جذعها سيؤدي إلى غرقه. وإذا ما قررنا استخدامها لبناء سقف، فإنه يتحتم أن تكون الجدران على درجة كبيرة من السماكة».

واصلت المجموعة طريقها. وعلق أحد المبتدئين قائلاً: «شجرة بهذا الحجم، ولا طائل منها!». قال رئيس النجارين :«غير صحيح، فهذه الشجرة لها ميزة خاصة. فلو كانت كمثيلاتها، كنا نقطعها. ولكن لأنها مختلفة، ستبقى على قيد الحياة وتظل قوية لفترة طويلة».

ثمة أسطورة تزعم أن الطاويين قالوا إنه في بدايات التاريخ نشبت بين الروح والمادة معركة حامية الوطيس. في نهاية الأمر انتصرت الروح، وحُكم على المادة أن تعيش على الأرض إلى الأبد. وقبل أن يحدث ذلك، ارتطم رأسها بالقبة الزرقاء وحطمت السماء المزدانة بالنجوم إلى قطع صغيرة.

برزت الأسطورة نيوكا من البحر، وتألقت في درعها المصنوع من النار. وهي تغلي ألوان الطيف في مرجل، تمكنت من إعادة النجوم إلى أماكنها الصحيحة، ولكنها عجزت عن إيجاد شظيتين صغيرتين، كما أن القبة الزرقاء كانت غير مكتملة.

هذا هو أصل الحب: روحان تذرعان الأرض جيئة وذهاباً على الدوام، كلاهما تبحثان عن النصف الآخر. وعندما تلتقيان، فإنهما تتمكنان من مطابقة الجزأين الغائبين في السماء والعالم برمته ومن ثم توجدان معنيً للرباط.

أفكر في هذا الأمر باستمرار باعتباره قطاراً عابراً في سيبيريا يشق طريقه على هذا السهل المترامي الأطراف.

قد يبدو أمراً لا يُصدق : كثيرون يخشون السعادة. بالنسبة لهؤلاء، إن الشعور بالسعادة في الحياة يعني تغيير مجموعة من العادات ككل، وفقدان هويتهم.

نشعر غالباً أن الأمور الجيدة التي تحدث لنا تافهة. فنحن لا نتقبل المعجزات ـ كما أننا نخشى من أن «نعتاد» على السعادة.

ونقول في قرارة أنفسنا: «من الأفضل ألا نشرب من كأس السعادة، لأننا سنفتقدها كثيراً عندما تنفد».

لأننا نخشى من النقص، نتوقف عن النمو. ولأننا نخشى البكاء نتوقف عن الضحك.

ترجمة: كوثر علي