الرائعة الفنية تعكس المشيئة الحرة للفنان الذي صنعها، ورغم كل ما أنتجه الفنانون من أعمال عبر التاريخ يبقى الاتجاه الكلاسيكي من أكثر الاتجاهات التي تشد الناس والفنانين عبر الزمن. فهذه الأعمال الفنية التي أصبحت ثروة وطنية في البلدان التي تمتلكها بقيت كما هي لكن نظرة النقاد هي التي تغيرت، ومهما كان الجدل والاتجاه النقدي لا بد أن ينحني الكثيرون باحترام لعظمة ما أنتج من فنون مهما اختلفت مجالاتها.
والكثيرون قد يكونون من الفنانين فذات مرة بعث الفنان الفرنسي ادغار ديغاس، رسالة لصديقه أبدى فيها ديغاس أسفه لأنه لم يعش في الوقت الذي كان فيه الرسامون يرسمون لوحات تاريخية، علما بأن مزاج عصره يناسب مفاهيمه المادية، وتشديده على العلم والتسجيل يقضي على التوازن القائم بين الخيال والواقع.
لكن ما الذي سيقوله ديغاس لو عاش في هذا العصر وهو الذي انسجم مع الانطباعية التي كانت تعتبر تمردا في حينها. هذا يقودنا إلى الحديث عن فناني العصر الراهن، الذين يعيشون كما قال بعض النقاد في حالة من الفوضى الفنية، فهل ينسجموا مع أعمالهم و اتجاهات الفن الكثيرة تجعل بعض الفنانين واقعين في حالة من الحيرة والارتباك فإن رسموا بشكل كلاسيكي ينتقدوا بأن زمن الكلاسيكية قد انتهى من مئات السنين، ولهذا استهجن الكثير من فناني الاتجاهات الحديثة ما قدمه الفنان الإيراني محسني كرمنشاه من تجربة واقعية ضمها معرضه الذي أقيم سابقا في المجمع الثقافي في أبوظبي.
والاتجاهات الحديثة في الفن تدفع البعض لتسخير قدراتهم في أعمال جديدة قد لا تكون متقنة، فسهولة دخول عالم فني بدون قيود روجت للكثيرين ممن لا يتقنون أصول الفن الكلاسيكي، ولم تقف التجارب عند التجريد بل تعدتها إلى حركات الفن الحديثة مثل الفيديو آرت، والبوب آرت و اتجاهات لم يصنفها الكثير من النقاد تحت لواء الفن.
نستطيع أن نتذكر أن التجريد كان بالطبع ميزة الفن الأولى في القرن العشرين، فالمحدثون يكادون كلهم أن يكونوا تجريديين، وإن لم يجدوا تفسيرا للتجريد فذلك من منطلق أن التجريد أو أي نوع آخر من الفن لا يمنطق ولا يعلل إنما يخترق البصيرة. وإذا كان شبه التجريد يقود دائما إلى التجريد، فلماذا كما قال أحد النقاد لم يسر الفنان إلى هذا الأسلوب قبل هذا الزمن ؟ والجواب برأيه أن مثل هذه الأساليب تقود إلى منحدر.
وكانت التساؤلات تنحصر بالمتعة التي يجدها المرء حين يقال له إن الصورة التجريدية التي تحتوي على المستطيلات إنما تمثل الحرب الباردة، وإن هذا يحتاج إلى المزيد من الذكاء لفهمها، عندها سيجد أن المسألة موهومة و تبعده. والتجريد كان آخر الأساليب قبل أن يخرج العمل الفني من اللوحة،وتتحطم التقاليد الفنية ويتجه الكثيرون من الفنانين إلى فنون ما بعد الحداثة.
وكل هذا يقودنا للتمعن بما تأثر به الفنان المعاصر من تقنيات واختراعات أفرزتها التكنولوجيا الحديثة.
وهنا نذكر ما قاله الشاعر رامبو في منتصف القرن الثامن عشر : «احذروا الوحش الطالع من المختبر» وكأن رامبو يتنبأ بعبارته هذه بما يحدث الآن. فالقلق والتقنيات التي تسيطر على الناس في هذا الزمن تنعكس على إبداعاتهم، دافعة البعض إلى التكهن بأنها حركة إبداع باردة وقلقة، ولهذا لابد كما يقال أن تنتهي يوماً.
Abeer_younes@hotmail.com