التاريخ تصنعه الأحداث وكذلك يصنعه التكريس، وفي المدن النابضة بالحيوية والإبداع، تتوج هضاب بعض الأماكن بتاريخ خاص، تصيغه بريشة من الصبر والثبات والاستمرار، بعض الأماكن تكتسب قيمتها من صفات وأسماء روادها؛ منهم من أضاف لها من قيمته، ومنهم من تزامن انطلاق مشاريعه مع تأسيس مثل هذه المعالم، لتشهد الأيام على تنافس الرموز، ثم يضفي كل منها على الآخر شيئا من كينونته فيما بعد.

ولعل مقهى الفيشاوي في القاهرة القديمة، في حي الحسين بجامعه الشهير، والموازي لخان الخليلي.. سوقه العريق دلالة هينة لاماكن رسخت في الذهنية العربية، داخل مصر وخارجها، خاصة ارتباطه بأحد أهم رموز الأدب العربي المعاصر، أديب نوبل الراحل نجيب محفوظ، حيث لا تكاد ذكرى مقهى الفيشاوي أن تعبر على الذاكرة الأدبية، أو الشعبية، حتى تقفز ذكرى نجيب محفوظ.

لكن مصر، وهي الحاضنة لإحدى أهم العواصم الثقافية، لا تدخر جهداً عن رفد الواقع بمعالم تاريخية، تختزن في ثناياها عصراً حافلاً بالأحداث والمواقف والأسماء، والعلاقات الواسعة والعميقة.

وعلى قافية مقهى الفيشاوي، يأتي إيقاع مقهى ريش؛ المنمنم، والواقع في ميدان طلعت حرب، في منطقة كانت تسمى مصر الفرنسية، وهو ملتقى نخبة الأعلام في مجالات الثقافة والأدب والفن، على مدى عقود.

وقد شهدت موائده جلسات، وضمت جنباته لقاءات وحوارات، لعدد من الرموز التي لا تزال حاضرة وراسخة، من خلال الصور المعلقة على حوائط المقهى، في تناسق وتراتب يأبى أن يتنازل عن فاصلة من وفائه لأولئك الذين عايشوه وآنسوه، وساهموا في بناء نهضة مصر الحديثة، في مختلف المجالات.

ومن الصور المؤطرة، والتي تستقبل رواد ريش ـ على سبيل المثال ـ عبدالرحمن الخميسي والأخوين علي ومصطفى أمين، وغيرهم ممن أثروا الحياة الأدبية والفنية في مصر لعقود تركت علاماتها وثوابتها.

إن مثل هذه الأماكن لا تهزم، ولا تقهرها عوامل التعرية الطبيعية، ولا تنال منها محاولات التجديد التي غالباً ما تقف عاجزة عن مضاهاة فنها المعماري البديع، وفي المحصلة، فإنها لا تحول دون صناعتها لتاريخها الخاص.

والمدهش أن مقهى ريش يحظى بميزة وفرتها العبقرية الهندسية العتيقة؛ حيث يقع في منطقة ظليلة شيدت طرقاتها لتتمتع بالظل طوال النهار، وبحيث يصبح كل مبنى ستاراً معمارياً فنياً، يحجب وهج الشمس منذ مطلعها، وإلى أوجها في منتصف النهار، وحتى المغيب.

وقد بدأت إدارة ريش التحضير لاحتفالها في العام 2008م، بإتمام قرن من الزمان على تأسيسه، وهو الذي لا يزال يتمتع بألقه، والذي لا يزال يحتضن رواداً، من رموز الفكر والثقافة والأدب، راسخاً ومتحدياً كما كان منذ إنشائه في العام 1908م، صانعا مجده، وشاهداً على التاريخ.

falhudaidi@albayan.ae