لا يأتي خلسة أو فجأة، ولا يتخلف عن موعده؛ يُقبل علينا.. يُلقي بنفسه المزركشة على أيامنا الكابية؛ يدخل البيوت فيلوِّن الصباحات بالفرح وساعات المساء بالألفة.
يبسط عباءته وينثر فوقها السكاكر والهدايا والنقود.
يعتلي صدور الأمهات وأكتاف الآباء ليشتري ضحكات الصغار.
يشحننا بالشوق إلى والدينا التقيين، وإلى نكهات أعيادنا الحلوة وإياهم.
يجلب إلينا همهمات الغبطة في السعي نحو المُصلى، وهدير التهاني المتدافع من الأفواه المتعايدة والقُبَل الطيبة.
ينقل إلينا روائح الموائد الحافلة بخبز أمهاتنا المدهون.. المبارك بأناملهن المخضّبة بالحناء، وعبق القهوة «المُقَنّدة» بالطِيِب، وأطباق الحلوى الشهيِّة الممزوجة بالأدعية والرضا والحب.
يعطينا فُرصاً ذهبية تقرِّبنا من الأمان والود.
هاهو العيد.. يعود كعادته.. نتغيًّر، وهو لا يتغيًّر.. يعرفنا كثيرًا ونعرفه قليلاً؛ يأتي محملاَ بالمزيد من الدهشة؛ لكننا لا نراه فثمة ليل مضطرب يحتّل أفكارَنا فلا نقوى على التطلِّع إلى بهاء ميعاده القريب.
عيد.. لا يمكث طويلاً قبل أن يتلاشى؛ نتجاهل ابتسامته فلا نعرف أنه قد يكون فرصتنا الأخيرة كي نتراجع عن وحشتنا، ولا نراه سوى طيفٍ قزحي يمر سريعاً.
أيها العيد.. امنحنا القدرة على النهوض فوق الجراح المنهكة، امنح عيوننا البسمة وامسح الأسى الدامي عن مآقينا.
على هيئته يحل العيد؛ يُطلق أنواره على ظلالنا الداكنة؛ نناجيه أن يداهمنا ويطمئننا ويبقى بيننا أكثر.
أيها العيد.. ما لأيامك وكأنها كسائر الأيام.. كثيرة النكران.. مشبوبة بالتبرِّم.. خالية الوفاض!
يا أيها العيد البعيد العطوف؛ أعد إلينا تسابيح الحي العتيق حين تتعانق في حضرتك الخطوات الغضٍّة عبر الأزقّة الحنطية؛ نتذكر عبقك حين يخنقنا ضجيج الصدى المتردد في العلب الزجاجية المعلقة.
يا عيد العائلة المنقوش بالفضة؛ ما زالت أرواحنا تنتمي إليك وتجتمع في فضائك المتباعد.
تكتظ الأماكن وتتصدع وتتعاقب المناسبات، وتبقى وحدك ملاذا للعهود فنترك عند أبوابك المناكفات ونخلع الضغائن، وتنتهي على عتباتك الحروب.
يتجلى وجهك المرموق فتتضوع جوارحنا لمهمة استقبالك وتتقاطر القامات في حشود كرنفالية براقة بادية بالصفح.
يا عيد.. مر بالقلوب المنسية في أخاديد العمر وفي تجاويف الشتاء المحجوبة خلف شبابيك الدور المغلقة العاجزة؛ مر.. بالمطروحين على أسرة الاستشفاء الناصعة؛ امسح على رؤوسهم وشدّ على أيادي أقربائهم المهمومين.. مر بالمحرومين من نوافل الفرح وامنحهم الأمل. سَل عن الغائبين المتغربين؛ اطرق صباحاتهم وزينهم بأشواقنا وصبرنا الجميل.
يا عيد.. توقف خلف القضبان.. احصي نزلاءها، ثم راعهم وذكّرهم بمنزلة الحرية.
أيها العيد الصائب لا تجري.. لا تتجاهل كلماتنا المعبرة المرهونة بالاعتراف اطلق علينا بركتك ونقنا من شوائب الخصام.
يا عيد متى تكف عن الركض في الشوارع؟! وعن منافسة جنون السرعة في السباق المجاني؟!
يا عيد.. أسعدنا، وجدد أبعادنا، وأخطو بنا بعيداً عن مزالق الوهم، وأخبرنا كيف نضع أيدينا ونثبِّت أقدامنا في مواطن الحياة.
يا عيد نُحيل إليك مشاعرنا فألقي عليها تحفظك، وأثريها بزاد الغبطة والصلاح، وجلّلها بالحماية والسلام.