كنت قبل أسابيع قليلة في وسط آسيا، في مدينة قد لا يعرفها عدد كبير من الناس «بشكيك»، عاصمة جمهورية قيرغستان الإسلامية، واحدة من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. مدينة لا تشبه كل المدن، ليس فيها ناطحات سحاب، ولا شوارع ملوثة بازدحام السيارات، قد لا تسهر حتى الصباح مثل باريس أو لندن أو القاهرة، هي حالة خاصة قد لا تتكرر في مدن أخرى. كانت منتجعاً لأعضاء مجلس السوفييت الأعلى «المنحل».

هي مينة خضراء بكل رموز اللون الأخضر. غابة طبيعية، حرص أهلها على عدم قطع أشجارها، واكتفوا ببناء مساكنهم، وشوارعهم في هذه الغابة دون المساس بطبيعة البيئة، أو تغيير معالمها، وأنت لا تحتاج إلى حديقة منزل، فشبابيك غرفتي مثلاً، المطلة على شارع «بروسبيك مير» تظللها أشجار خضراء تجعل من الصباحات ربيعاً، ومن المساءات برداً يقرص الخدود، وينشط الجسم، ويرطب الأعصاب، ويجعل الأحلام وردية ربيعية. يقال.. إن في بشكيك « 52 جامعة»، الكثير منها يدرس اللغة العربية.

شعب لم يلوث بعد بمظاهر الترف العصرية التي تجتاح العالم. ما زال الإنسان يمتلك أخلاقياته ومثله. أسواقهم تلبي حاجة الإنسان دون إسراف أو مبالغة، تعتمد على المنتوج المحلي. الفلاحون والفلاحات يجلبون محاصيلهم الموسمية الخالية من الأسمدة الكيماوية إلى السوق كل صباح. شوارع مزينة بالتماثيل والنصب، وحدائق ورد، ومتاحف.

دخلت متحف التاريخ الوطني، استقبلتني «أم جمال» امرأة في الستين، حينما عرفت أني عربي، بدأت تشحذ ذاكرتها لتتذكر مقاطع وجمل بالعربية نسيتها بمرور الزمن، يوم كانت تعمل مع الطلاب العرب الذين كانوا يدرسون أيام الاتحاد السوفييتي، تزوجت طالباً مصرياً، وأنجبت منه ولدها (جمال)، الذي قارب الأربعين. تقول ان زوجها اضطر للعودة إلى مصر، ولم تستطع اللحاق به لأسباب كثيرة، ما زالت تذكره بحب وتعتقد أنه استشهد في واحدة من الحروب.

كانت أم جمال تشرح لي كل مرحلة من مراحل تاريخ قيرغستان وحضارته، بما في ذلك الفترة الشيوعية دون التهرب منها، لأننا لا يمكن أن نمسخ التاريخ أو نغيره - كما تقول أم جمال - تماثيل لينين، وستالين، ونصب الثورة البولشوفية، وبغض النظر عما تمثل هذه الآثار، إلا أن الإبداع الفني للنحاتين والرسامين يفوق الخيال. استوقفني ركن خاص بكاتب قيرغستان الكبير «جنكيز اكتماتوف» واحد من أهم كُتاب القصة والرواية في العالم.

في التراث الشعبي لم ينسوا حتى حجاب المرأة وعمتها، وللمرة الأولى أعرف أن عمامة المرأة في قيرغستان مثال شرفها، ومن ثم تصبح كفنها، فلسفة شعبية عميقة في العفة والشرف، وتذكر الموت كونه حقيقة لا تنكر. في هذا البلد سرعان ما يصبح الإنسان صديقك، بل يتحول إلى أخ حقيقي، لا تدخل المصالح في الأخلاقيات. لي أصدقاء أعجز من تعدادهم، مثل السيدة الرائعة البروفيسورة أشنكول، الأستاذة الجامعية وحاملة عدة أوسمة، حضرت احتفالاً كبيراً في المسرح الوطني حضره أكثر من ألفي شخص بمناسبة منحها وسام الصداقة بين الشعوب.

أذكر أيضاً البروفيسور «نيفادا»، والبروفيسور «فلاديمير بلوسكي» العالم المرح الذي لا تفارقه ابتسامته. «ولي جان» الذي قضى جزءا من حياته في سوريا مستشاراً، «د. طلاس بك»، عالم في الدراسات الإسلامية، «أحمد» أستاذ اللغة العربية الذي يخاطبني بالفصحى واضطر للإجابة بها أيضاً، «د. سلطان، ميره، د. جلديز»، أسماء كثيرة قد لا تحضرني الآن. وقد لا أبالغ أنك إن دخلت بشكيك فلن تعيش غريباً، وسرعان ما تجد نفسك من العائلة البشكيكية.

منتجع طبيعي قد أفكر ذات يوم أن أعيش به إذا ما فكرت في التفرغ للكتابة. آمل أن تبقى بشكيك والمدن الأخرى خضراء نقية بجبالها وغاباتها ومساقط مياهها وشلالاتها، وآمل أن تلتفت دولنا العربية لهذه الجمهورية بعد خروجها من الستار الحديدي للاتحاد السوفييتي، حتى توثق ارتباطاتها الإنسانية والفكرية بنا تماماً مثلما كانت أيام الفتوحات الإسلامية والدولتين الأموية والعباسية.