نعتمر البشرى ونحن نستقبل البدايات.. تارة مع ميلاد وليد وتارة باستهلال شهر ليلة القدر، وأخرى لدى إشارة.. أو شرارة تخترق الوجدان. تتهاطل بشائر البدايات وأجلّها ما تكون في تنافس الإنسان في إقباله على الفوز بمغانم الإيثار.

تخطو اللحظات فنتأملها بدهشة أم العين لنعثر على معالم الأمل، ثم نعمل جاهدين على رسم الكلمات وتسمية الأحلام. تحتلُّنا الصور.. تصطحبنا.. تُغيّر نظرتنا.. تعِدنا وتضعنا على حافة النعيم.

تصغر الأمور الكبيرة أمامنا؛ فتضحك عيوننا ونألف الاختلاف فنرتهن للصلح، ونتثبّت بخيوط شفافة كالنور تكفلنا وتصعد بنا إلى عنان الحقيقة فنرافق المجد.

تتمرد في داخلنا الرهبة؛ فتنحسر الحواس وتفيض أنيقة براقة متبتِّلة. نقرع أبواب الله؛ فيزودنا بالجدوى، ويقلدنا مشارف النهى ونتائج النجوى. نكتشف بداية المدّ فيغمرنا موج الاهتمام ويشملنا الوعد الجميل.

البعض يمضي باحثاً عن بداية يستهل بها خطى جديدة ويغير وجهته، ومن لا يمتلك مهارة البحث.. ينتظر. للبدايات دهشة هادئة؛ تتمدد على مرابع العمر في مواسم ملوّنة، وفصول فاتنة.

البدايات النادرة تعترضنا فنطبق عليها قانون الفرح، وفي غمرة الإقبال نستهلكها ولعلنا نهمل رفدها فلا نحسن وفادتها.. بدايات نعلقها على حائط الماضي بذاكرة مثقوبة متناسين مطلعها ما لم تحتفظ به السطور الموثقة. وتمضي الحياة.. تجتاز مرحلة البدء وتفاصيل المعاني وحرارة الابتهاج برونق العافية.

فهل يأمن المرء مصاحبة البدايات في دربها القصير؛ حين يباغته وجهها المكفهر بلا رحمة.. بلا روية ولا إشعار؟! وهل يكفُّ الناس عن الاستبشار بها؟ ولو أدارت لهم ظهرها والمجن؟!

وهل يتوقفون عن اللحاق بوميضها الجذاب؛ بينما هي تقترب فاتحة ذراعيها ومانحة مساحاتها الغامضة، ثم لا تلبث أن تسدل ستار الخاتمة، وتعلن النهاية الصادمة؟

فمن يمكنه تجاهل إغراء الجدَّة والبدايات؟ ومن يتنازل عن مذاق النعمة المتنامية فيها؟ وإن كانت البدايات بلا ملامح.. أو جاءت بلا نهايات.

فكيف يمكن للمرء أن يفلت خيوطها من قبضة يده وهو يدرك أن العمر يتضاءل، والخطى تتقارب وتنوء بوطء الأيام، وأن الجداول تنضب! أفتكون النهاية حينها موضع ترحيب؟ أم يبقى الرهان بين البداية والنهاية قائم على الحنين، وعلى الاستبداد بالذاكرة؟!

falhudaidi@albayan.ae