مرة أخرى يضع المسرحيون في الدولة أقدامهم على مواضع العمل المسرحي التأسيسي، يرسمون خطى بالتأكيد لها نتائج تعود على الحركة الثقافية بانعكاسات جيدة، وعلى المسرح تخصيصاً بالحركة الدؤوبة والديناميكية والتخطيط لمستقبل جميل.

المهرجان الثاني لمسرح الطفل.. هو لبنة جديدة في حركة الإنتاج المسرحي. وعلى الرغم من ابتهاجي، وتشجيعي، وتطلعاتي التي أبشر بها بالخير، غير أني أجد ضرورة الإشارة إلى عدة ثوابت لابد من الاهتمام بها من قِبل لجان العمل التي أثق بأنها على مسؤولية كبيرة ودراية كافية بما تخطط وتعمل من أجله. إلا أنني أكتب من باب «وذكر إن نفعت الذكرى».

الطفل مسؤولية كبرى، ولا مجال للعبث به، أو جعله حقل تجارب، ومسرح الطفل له حساسية خاصة لا يمكن تناسيها أو التغافل عنها، ولعله من أخطر الوسائل التوجيهية التي يتأثر بها الطفل، وأن أي شطط أو زلل أو انحراف ما سيؤثر مباشرة بشخصيته، بمعنى أننا نتوجه إلى جيل المستقبل من خلال الفن المسرحي المؤثر.

تختلط في مسرح الطفل عدة عوامل، منها تربوية، وتعليمية، وفنية، وذوقية، والعاملون في هذا المسرح ينبغي أن يكونوا موسوعيي المعرفة، عارفون بالثوابت في علم التربية على الأقل، وقد اطلعوا أيضاً على بعض ما يمكن معرفته من سيكولوجية الطفل، وفلسفة التوجه أو الكتابة له، مع ضرورة الكشف عن حساسية العلاقة بين المتلقي والممثل، والحديث في هذا الجانب متشعب وعميق ويحتاج إلى دراسات متخصصة ودورة مسرحية خاصة بهذا المسرح لزملائنا الذين يعشقون الطفل ومسرحه والعمل معه، وبهذه المساهمة يمكن إعداد كوادر فنية لها دراية متوسطة بهذا العالم السحري الذي اسمه «مسرح الطفل».

ولا ينبغي أيضاً إلا أن نقدم أفضل عناصرنا الفنية، من ممثلين ونصوص ومؤثرات، وديكورات، وأغان،.. الخ. وكل ما له علاقة بالذوق الراقي، النبيل، وبقمة عطاء لا حدود له. وأن يستعد القائمون لحوار استثنائي حضاري من أجل الرقي بمسرح يتوجه مباشرة إلى أعز مايملك الإنسان.

إذن فالطفل مسؤولية يتحملها الجميع، حتى الذي ليس له طفل لأن كل أطفال الوطن أولادي، وأولادك. هم مستقبلنا، ووجه الوطن الآخر الذي بالضرورة سيكونون واجهة البلد.

من هذا المنطلق أجد ضرورة الوقوف مع الجهة المنظمة، لا في الكتابة أو العمل، أو المشورة، أو الحضور فحسب، بل أن تُدعم الجهة المنظمة «جمعية المسرحيين» من عدة جهات أخرى.

وإن كانت مبادرات دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة جيدة وفاعلة، فإن مسؤولية الشركات الوطنية والمصارف والجهات المالية مسؤولية وطنية لابد من مبادرات حتى يستطيع القائمون على العمل التحرك بشكل أكثر فاعلية، وتحقيق أوسع ما يمكن من الأحلام التي بلاشك ستصب في صالح أطفالنا، وبالتالي لمستقبل الوطن الذي نعتز بالانتماء إليه.

إن نجاح مثل هذه التظاهرة لا يعني كثرة ما نقدمه من مسرحيات أو ندوات أو ما يصاحب الأيام من أنشطة، بقدر ما يمكننا من تحقيق تواصل حقيقي بين الخشبة أو المنصة وبين المتلقي. والمتلقي هنا ليس بالضرورة سيكون الطفل وحده، إننا هنا مع وحدة العائلة، إذ ينبغي أن يشارك الآباء والأمهات فرحة تواجد المتلقي الصغير والإيمان بضرورة تأمين توصيله إلى صالة المسرح على الأقل، وأن العلاقة جدلية بلا شك في هذا المسرح.

وهي علاقة متينة تربط الآباء والأمهات وإدارات المدارس بأولادهم من جهة، وما يُطرح على الخشبة من جهة أخرى، وإذا ما استطعنا من خلال المهرجان تحقيق ذلك فهذا يعني أن مسرحنا قد خطى خطوات إلى الأمام، وبلا شك فإن النتائج ستكون أكثر فاعلية على كل المستويات.