ويستمر السباق السنوي المحموم بين شركات الإنتاج الفني؛ الذي يشتد مع اقتراب شهر رمضان المبارك للفوز بمساحة عرض زمنية لما أنتج من أعمال درامية خصيصا لهذا الشهر الفضيل، ولتُشحن ساعات أيامه المتسارعة بكم من الأعمال التي تتزاحم لحجز بعض دقائق لها على شاشات التلفزة العربية والخليجية، والمحظوظ منها من يحقق قصب السبق في حجز مصطلح (حصري) حتى لو فاضت هذه الأعمال عن استيعاب أوقات المشاهدين المستهدفين.
هذا السباق الذي ترسّخ مع الزمن أصبح تقليداً مرتبطاً بالشهر الفضيل عما سواه من الأيام والمواسم؛ حتى أبعد أكثر القائمن أو المتبارين في هذا المجال عن الاعتناء بالجودة في الاختيار والإنتاج؛ لتأتي على حساب ذلك مواد فضفاضة خالية من المضمون الجيد أو الحقيقي؛ الأمر الذي أفقد هذا التسابق نكهته وألقه وجديته.
إن كم المسلسلات الخليجية والعربية التي اصطفت في طابور العرض اليومي لم ترق إلى مستوى المتابعة للمشاهد العادي؛ بل إن أغلب المعروض وقع عند درجة الرسوب بجدارة، وسقطت أكثر الأعمال الدرامية بشهادة وتقييم المشاهدين أنفسهم من جهة والمختصين من جهة ثانية.
ولكن في خضم هذه الخلطة من المسلسلات كافأ المبدعون الصائمين بوجبة خفيفة هي المسلسل الكرتوني الإماراتي (فريج).
قد لا يبالغ المرء إذ رصد انطباعات سلبية لشرائح من الناس استهجنت العمل في الأيام الأولى لبثه على شاشة سما دبي، ثم لم تلبث الكفة أن رجحت بعد أيام لصالح العمل المحلي الظريف؛ حيث تفوّق على ما هو مطروح ضمن الخارطة الرمضانية حتى أصبح حديث المجالس وحديث الناس اليومي؛ بعضهم منتقد وأغلبهم معجب.
لا يغيب عن المتابع الاهتمام الواضح لمخرج العمل محمد سعيد حارب بالتفاصيل الدقيقة والصغيرة حيث اتجه إلى المجتمع المحلي واقتبس مادته من موروثه الشعبي، ولم يتردد في تركيبها على الواقع المعاصر وتسييرهما في طريق التطور معا.
كما قام بمحاولة توجيه رسائل قصيرة ويسيرة للمشاهد إلى جانب التوثيق لبعض من عادات وتقاليد المجتمع المحلي، وإن احتمل العمل شيئاً من النقد في بعض جوانبه؛ إلا أن جدة الفكرة والموضوع والأسلوب وحداثة التجربة؛ كل ذلك يغفر لصاحب العمل استحواذه على نصيب الأسد من المهام التنفيذية فيه؛ باعتبار أنه صاحب الفكرة الأقدر على بلورتها مما يسهٍّل على الآخر تصورها.
كما يغفر له بعض الهنات في الحوار، لكن في المجمل يمكن للمرء أن يسطّر شهادة إعجاب وتشجيع لهذا العمل ـ الذي لم يسلم من الشائعات ـ ولمن دعمه وسانده ورعاه. ويكفينا فخراً أن (فريج) هو العمل الكرتوني الأول الثلاثي الأبعاد.
وهو الأول من نوعه على مستوى الشرق الأوسط، والأهم.. أنه عمل إماراتي محلي خالص على مستوى الفكرة والتأليف والأداء والتنفيذ والإنتاج والإخراج؛ يؤكد بذلك على امتلاك شباب الإمارات ملكة الإبداع بدءاً من التفكير إلى مراحل الأداء وصولاً إلى الإخراج.
وكل ذلك ينضوي تحت خصيصة نموذجية هي ملكة التعاون وحب العمل والتحلي بروح المبادرة نحو العمل التطوعي؛ في سبيل إبراز الوجه المشرق للبلد وأبنائه خاصة إذا ما توفرت لهم الثقة والدعم، وهي العناصر التي توفرت لهذا العمل الصعب؛ فكشفت عن حجم الموهوبين لدينا، وحجم المتعاونين المثابرين.