يطول الانتظار له؛ لكنه في كل عام يتردد مزهوا بخصوصيته.. يقصدنا ونحن نتحرّاه بأجنحة القلوب وشغف النواظر المبحرة وسط الغيوم حتى يلوح؛ فتنفتح السماء لتضحك. ومن حافة الكون تهطل أهلته. يصلنا في الفجر.. فنعرفه من حميميته وتستغرقنا بركاته.

وكالغريب يدنو مقبلا إلينا فيحتدم التوق إلى لقائه.. يزخرف أرواحنا ثم يمنحنا مراتب الإنجاز، ويبدأ السباق إلى رحمته الأولى ثم يشتد نحو المغفرة، وآخر المنى الفوز بعتقه كمنتهى الغايات للمتقين المتبارين الباحثين عن سبل النجاة.

فيه نرتقي كبد السماء.. نقترب منها لتعيد صياغة معالم آدميتنا، وفيه تتنامى الكنوز.. فيثبُ الخاطر من صحارى التيه والضياع، ومن لهاث العطش المستدام إلى طيب الليالي النورانية الخلاّبة حيث نتبارى لغرس الطيبات في «حدائق النور» القدسية.

يمنحنا المحبة.. ويأخذنا معه إلى نعمة التواصل. ونسعى إلى ملتقى جموع العابدين المتبتلين. فيه.. تُفصح النفوس المهترئة عن مكنونها، وتكشف النيات المتراكمة عن مخزونها؛ فيَيّنَع السهر على صحة الروح ويربو. ننتمي إليه.. فيؤثر فينا ويتسرب إلينا بموجات فرح تجتاحنا.. تملأنا بالغبطة والرضا.

نتودد إليه.. فيحيطنا بالذِكر، ونتذَوّق ما فقدناه من مدٍ روحاني. يزودنا بذخيرة الأعمال الخيِّرة.. نجدلها بالنور المتأجج في التماع الليالي والأيادي البيض، واغتنام ليلة خير من ألف شهر.

ينفض عنا قشور الأنانية.. يُحيي فينا العزم، ويمنحنا الصواب في البذل. فيه يُحجب الرجيم وتُعلّق الشرور.. لتحتشد الأمة في موكبه المظفّر فيظللها بعمامته المباركة ويذكّرها بعدم الإسراف في الرغبات، ويزيّن الانصراف عن المباهج، ويحقق الانتصار على الشهوات لتهبط عليها الرحمات.

يدوم الظمأ، ويحيق بنا الجفاف فلا نرتوي إلا من نوره المُغيث ليُقيم اعوجاجنا.. ويعمّق في وجداننا الهدى. فيه تتسع حدود الرحمة المطلقة، وتتباهى الفرص في غوث الحائرين ليبلغوا التقوى.

نرتمي بين أيامه.. فيعيدنا إلى حيث البطولة ودهشة الحب في تعاليم العقيدة. ونلوذ بعظمة عطائه فتتدحرج الذنوب دفعة واحدة في مهرجان الطقوس.

فكيف حال من لا يستحي من الخروج على شروطه ويعرض عن بشارته ويتجاهل وعوده ويفرُغ فؤاده؟! فلا يعطف، ولا يستعيذ من قلبه حين لا يخشع، ولا من نفسه التي لا تشبع، ولا من علم لا ينتفع به.. ثم لا يستمد من متاعه الحماية، ولا يطلب الفرج ولا يوقظ في نفسه الخشية من سوء المآل. فلا يستتر من الابتلاء، ويجاهر بالجنوح متجاوزا حدود الله.

فهل يدرك من أخذتهم الغفلة أن أيام شهر البركات لا تلبث أن تمضي خفافا.. تتلاشى في عجل كدخان البخور والند بعدما يغمر لياليه العامرة بعبير الدعوات الطيبات ورصيد الحسنات؟

وهل يدرك من هجره عامدا، واستمرأ المجاهرة بالسيئات ما قد يفوته من حظ عظيم في رمضان ؟ «اللهم اجعلنا ممن تواضع لك فرفعته، وأقبل تائبا فقبلته، ودعاك صادقا فأجبته، وسترت ذنبه وغفرته، وبرحمتك يارب في رمضان شملته».

falhudaidi@albayan.ae