يموت المبدع جسداً ويظل حياً فيما يتركه من أثر. وما زلنا نعيش شكسبير وموليير وتولستوي، مثلما نعيش المتنبي والمعري وحسان.. وغيرهم، وما يذكرنا بهؤلاء نتاجهم الإبداعي، ولكن ثمة عامل مساعد لاستمرار الذكرى، هذا العامل يتحدد في رأيي فيما يفعله الخلف للسلف من الراحلين،
كيف يمكن أن يترجم الإبداع بعد رحيل المبدع، كيف يجدد، أو يسوق، لأنه بالضرورة ستأتي أجيال أخرى لا تعرف هذا المبدع أو ذاك إلا من خلال التعليم المباشر، أو التأثير غير المباشر عبر إحياء ذكراه وتسمية شارع باسمه، أو مدرسة أو جامعة، أو مسرح، أو أي مَعْلم حضاري.
رحل عنا نجيب محفوظ.. وننتظر ما سنفعل؟ أو ما يمكن أن نفعل. رغم أن أثاره موجودة في القاهرة وكنا نزورها وهو حي يرزق، لكن هذا لا يكفي!.والسياب تحول إلى تمثال عند تخوم شط العرب وكذلك الرصافي، لكن نسينا غيرهم فلم نجدد ذكراهم، وهذا موضوع آخر ينبغي أن نحلله لاحقاً.
وزارة الثقافة السورية نشطت في الآونة الأخيرة بعد أن عهدت إلى الصديق الدكتور رياض نعسان أغا، الذي عُرف بحركته الدؤوبة وديناميكيته في العمل وتجربته الطويلة في القطاع الثقافي، والإعلامي، والدبلوماسي، وهو مبدع أيضاً.
احتفالية نزار قباني كانت آخر أنشطة وزارة الثقافة السورية، وهي احتفالية عربية حضرها باحثون من كافة الأقطار العربية تقريباً، وعلى مدى ثلاثة أيام احتضنتها دمشق نيابة عن ابنها نزار، قدم الباحثون حوالي ثلاثين بحثاً جديداً عن نزار قباني وشعره، وتأتي هذه الاحتفالية الدمشقية بشاعرها في وقت مناسب.
أولاً لأهمية الشاعر، وثانياً لأن الزمن الذي نحن فيه يحتاج إلى نقلة نوعية في حقول الأدب والثقافة والفن، تتناسب هذه النقلة مع المرحلة الجديدة التي نواجهها في إطار هجمة العولمة وثورة التكنولوجيا، ولعل في ذكر هذه القمم من المبدعين أسلوباً في التأكيد على الهوية،
خاصة وأن صوت نزار قباني السياسي قد ترك أثراً كبيراً عند المتلقي العربي منذ قصيدته الأولى مروراً بكل ما أنتجه هذا الشاعر «الظاهرة» وحتى الآن. فإن قصائده استشراف لما يحدث على أرض الواقع، ودعوة للانتماء للأرض والإنسان، والتبشير بالمحبة، والتأكيد على الهوية.
ومن بين كواليس هذه الاحتفالية الدمشقية عن نزار نتلمس أنباء عن أنشطة نوعية قادمة بعضها يخص نزار قباني بالذات مثل جائزة للشعر باسمه، وإعادة طباعة آثاره..الخ. مما يجعلنا نتفاءل بمستقبل الثقافة، ودورها الرئيسي في حماية الأمن الثقافي إن صح تعبيري.
وهنا أؤكد على أن الثقافة في السنوات الأخيرة قد انحسرت عن جماهيريتها وتحتاج إلى جهد مضاعف جماعي يشمل كل أرجاء الوطن لإعادة فتح أبوابها الواسعة ولأنها هدفنا الأخير في مواجهة كل التحديات.