أوهكذا يتصورون..إننا خارجون على اليقظة، وقد تبرأنا من انتمائنا إليها.. ويتصورون.. أننا نضع معطف الأحلام حتى أكتافنا ثم نكتفي بإنفاق ساعات النخبة في السرير.. زنزانة الوحدة الأثيرة.
حيث يترعرع الكسل المُستطاب، وحيث تنصرف عناصر الإنجاز وتنتهي إلى الحفظ أو الاتكال ويتصورن.. أننا بلا معالم شخصية، وليس لنا طريق يمكن أن نسلكها إلا حيث يتحالف المعدن الذهبي والحجر الكريم فحسب.
ويتصورون.. أننا نعاني من الوهن المخملي بينما حدود الطموح لدينا لا يتجاوز حدود الدخل وحدود الثراء. ويتصورون.. أننا على بساط الرخاء حيث يتَمَطّى الاسترخاء بلا خاطر يطارده، ولا حقيقة تقف أمامه تنذره بانقضاء الوقت حيث يتَمنَّع الاندفاع مشحونا بالعناد وحيث لا حماس. ويتصورون.. اننا إن نهضنا فإننا نتكئ على الواسطة والمحسوبية، ثم نتجه إلى اللامبالاة، ونذهب لمخالفة القواعد ولكسر القانون ويتصورون.. أن الأبواب أمامنا تُفتح لنا تلقائيا وتتبخر العوائق.
ويتصورون..أننا نستخدم المعارف منصة للوثب إلى الترقي للمناصب في المؤسسات ويتصورون.. أننا نقضي الوقت بين البورصة ومركز التسوق والصالون.
ويتصورون.. أن الرجال هنا فاخرون يتجولون بين وكالات السفر وأن النساء منشغلات بإصدار أوامر ترتيب الحقائب. ويتصورون.. أن بعثرة الوقت هي الحرية القصوى لدينا ويتصورون.. أننا ننفرد بنصف الليل والمناسبات الممتعة ومداعبات الحظ السعيد حتى يفيض منهكا.
ويتصورون.. أننا نمارس ترف البقاء أمام المرايا كل صباح، وأننا نتلو آيات الراحة بلا كفاح. ويتصورون.. أن أرواحنا لم تنمُ بعد، وأن أفكارنا بعد ما نضجت. ويتصورون.. أننا لا نجتاز سوى نصف الدرب ثم نحلم بالتقاعد.
لكنهم لا يتصورن أن تطل البطالة المطلقة فتنهب الدقائق والعواطف والأعذار وملامح الفرح. ولا يتصورون.. أن ثمة أحلام مسالمة وأحلام يقظة لا يشفع لها مضاعفة الجهد بل يحطمها الرذاذ في أول الطريق وتلاحقها أماني الغير المتلهفة الهينة المكشوفة.
ولا يتصورون.. أنه يقلقنا اكتظاظ المدارس والمشافي والشوارع ويداعبنا الأمل بالفرج القريب. ولا يتصورون.. أننا نتفانى مخلصين بخدمة مهنتنا في هذه الحياة لنبلغ النجاح ونكافئ بالحقوق. ولا يتصورون.. أن الأسعار تلهبنا بلا عزاء.
ولا يتصورون.. أن تطلعاتنا مرهونة ببطاقات الائتمان المكشوفة المتآكلة، وأن المستقبل ليس ارستقراطيا أو ورديا مرفها؛ لكنه مشوب بالكدح وكوابيس المنافسة.
ولا يتصورون.. أن هوس القلق يتربص بنا على قاموس اللغة، وعلى فقد أطفالنا نصف ألسنتهم ولا يتصورون.. أننا أقلية نلتزم بطابور معاملات الإجراءات العامة في سبيل المساواة ولا يتصورون.. أننا نكابد الأحلام المضطربة ومفاجآت فوضى الواقع.
ولا يتصورون.. أننا نحسن احترام قانون الضيافة؛ فنستقبل كل من يطرق أبوابنا، ودائما نفتح القلوب لإيواء الآخرين ليتخطوا الفقر وعوز البداية؛ لكنهم ينسون أنهم عابرون فيهملون العودة الباكرة.
فهل يتصورون أن علينا نحن الانصراف باكرا، والعودة إلى المنازل ولو سيرا على الأقدام؟! لعلهم يتصورون أو..لعلهم.. يأملون!