لعب مبلغ العشرة ملايين يورو دوراً كبيراً في إقناع الكاتب «باتريك زوسكيند» لبيع حقوق روايته «العطر» من أجل أن تتحول إلى فيلم سينمائي، وذلك بعد إلحاح المنتج «بيرتد آيشنغينر».
والرواية التي صدرت في ألمانيا في العام 1985، بقيت لمدة تسع سنوات تتصدر لائحة الكتب الأكثر مبيعاً بلا منازع، وترجمت إلى 42 لغة وبيع منها 15 مليون نسخة،وإصرار زوسكيند لفترة طويلة جدا على عدم بيع حقوقها للتمثيل، لم يمنع الناقد الشهير ستانلي كوبريك بالقول إنها غير قابلة للتحول إلى فيلم سينمائي لأن الشرح للروائح والعطور الذي تبنى عليه الرواية لا يمكن التعبير عنه عبر المشاهد السينمائية.
فالرواية تتحرك من خلال شخصية غرينوي الذي ولد في العام 1738 «في المكان ذي الرائحة الأبشع على وجه الأرض» في مزبلة سوق السمك في باريس، وهو الذي يتمتع بحاسة شم مفرطة في حساسيتها مع العلم إنه ولد بدون رائحة.
وهذا ما اكتشفه يوما ودفعه لقتل العديد من النساء الشابات ليستخلص منهن العطر النقي، من أكثر الأماكن حفظا للرائحة في الجسد، العطر الذي يستطيع من خلاله السيطرة على الآخرين، وهو نفسه العطر الذي مزق غرينوي إلى جزيئات كثيرة.
إنها فكرة مدهشة إنسان بلا رائحة سيقوم بدوره الممثل المسرحي البريطاني «بين ويشاو» وهو الممثل الذي لعب دور هاملت بشكل متميز.والفيلم ينتظره الجمهور في صالات العرض الألمانية في منتصف سبتمبر المقبل، بعد أن حافظ زوسكيند عليها رواية لمدة طويلة، قبل أن يقتنع بتحويلها إلى مشاهد سينمائية.
في حين تنازل الكاتب الأميركي دان براون عن روايته شيفرة دافنشي بعد سنوات قليلة لصدورها مما أتاح للكثيرين رؤيتها قبل أن يفكروا بقراءتها.
وما بين القراءة والسينما يتحول الإبداع من حالة إلى حالة أخرى، فالرواية التي صدرت في العام 2003 فاجأت العالم خلال أشهر قليلة، بأنها ترجمت إلى 44 لغة عالمية، ليصل عدد مبيعاتها إلى 40 مليون نسخة، إلى أن فازت شركة كولومبيا المنتجة للفيلم بحقوقها لقاء عشرات الملايين من الدولارات، لتجني بعد عرضها فيلما سينمائيا مئات الملايين من الدولارات، على الرغم من الإشكاليات التي رافقت الرواية منذ صدورها.
الفكرة لم يتقبلها الكثير، الكثير من الناس حتى أن بعض الدول منعت تداولها كرواية أو فيلم، لكن انتشارها يدل على حرية التفكير، أو بعبارة أخرى حرية الإبداع.
وحديثي عن هذين الكاتبين ليس أكثر من مجرد مثال عن ما يحدث في الغرب، وعن مصير الإبداع في دول تقدر أهميته.
لكن إنْ بحثنا في دولنا عن مصير المادة الإبداعية ومردوها المادي أو المعنوي لن نجد أرقاما أو حالات تشبه ما يحدث في الغرب، فهل يتعلق هذا بالحالة الإبداعية وعدم فرز مبدعين يقدمون إنتاجا مذهلا يضاهي ما يقدم في الدول الغربية خاصة وأن روايات الأدباء الأجانب تترجم إلى العربية وتحقق مبيعات قد لا يحققها أي كاتب عربي أحيانا، هل الوصول إلى حالة مميزة من الإبداع يتعلق بسقف الحرية الممنوحة للكاتب وعدم القدرة على حمايته، أو حماية نفسه عندما يتجاوز هذا السقف.
كما استطاع دان بروان حماية نفسه علما أنه اعتمد في روايته كلها على فكرة يرفض الكثيرون مناقشتها بل استهجنها رجال الدين، هل يتعلق الأمر بالقدرة المذهلة في خلق فكرة لم تطرح سابقا مثل إنسان بلا رائحة، أم بالقدرة الضعيفة في تسويق الكتاب، حتى أن الأدباء أنفسهم يعرفون مدى صعوبة أن ينتشر كتابهم بشكل لائق مهما كانت أهميته.
وهذا ما يدل على أن أصحاب دور النشر مجرد تجار فاشلين، لم يستطيعوا إلى الآن أن يضعوا خطة لتسويق منتجهم اكتفوا بما يحققوه من ربح يأتي من جيوب المؤلفين، أو بعض الجهات التي تشتري الكتاب إلى جانب عدد قليل من الناس المهتمين بالقراءة دون الاكتراث بوضع خطة إعلانية تجعل القارئ على إطلاع بكل ما هو جديد.
وهذا بالطبع لن يقلل من قيمة الكتاب، أو يضعه بمصاف السلع الأخرى، طالما هو بعرف التجارة منتج له ثمنه، وكلفته وربحه وخسارته، وهذا ما يقودنا إلى الجهات والمؤسسات الثقافية، ووسائل الإعلام المختلفة التي تساهم أيضا بعدم الإعلان عن الإصدارات الجديدة، وإن فعلت فيحدث هذا غالبا بشكل متواضع وخجول، وكأن التأليف والنشر شيء ثانوي للغاية في مجتمعاتنا العربية. وهذا ما يدل بدون تفكير أن عدد القراء سيكون بالطبع متواضعا للغاية.
فهل المشكلة متعلقة بسبب من هذه الأسباب، أم بالأسباب كلها مهما يكن من أمر إن دل هذا على شيء إنما يدل على ما يعانيه المبدع العربي، الذي لم يأخذ وضعه الحقيقي، و إن حدث هذا سيكون بعد عناء كبير، فعدد المبدعين المتفرغين لمادتهم الإبداعية يحصون على أصابع اليد الواحدة.