كانت عقارب الساعة تشير إلى الخامسة مساءً وكنت أتأمل المياه وهي تتدفق بسلاسة. تتبعت عيناي النهر الصغير إلى أن استقر في أحد أروع الأماكن على الأرض وهو بحيرة بايكال في سيبيريا. قال أحد الفلاسفة «إن النهر لا يجري في المكان نفسه مرتين»، وقال آخر «الحياة كالنهر»، ما يقودنا إلى استنتاج مفاده أن هذه هي أقرب استعارة لمعنى الحياة.
ولكن اليوم اكتشفت شيئاً مختلفاً وهو أن هنالك نهراً بداخل النهر، وهو يدل على الطريق الأنسب للتدفق، روح المياه التي تجري على مقربة مني في هذه القرية الصغيرة حيث لا يزال بإمكاننا رؤية بئر يأتي المقيمون لجلب المياه منها. كم من الوقت مضى منذ أن رأيت بئراً حقيقيةً، تغدق على جميع أهالي القرية بمياه الشرب؟
تأملت النهر مجدداً، في محاولة مني لأن أشبهه، ولأدرك الدروس التي كان يعلمني إياها في ذلك الوقت:
ـ إننا نخوض تجربة المرة الأولى على الدوام. فبينما نمر بأطوار الميلاد وحتى الممات، فإن المناظر الطبيعية ستصبح دائماً جديدة في أعيننا. وينبغي علينا مواجهة كل هذه الأمور الجديدة بالسعادة بدلاً من الخوف، لأنه من غير المجدي الخوف مما يتعذر تجنبه. والنهر لا ينفك عن التدفق.
ـ في وادٍ نمشي على مهل. عندما تضحى الأمور من حولنا أسهل، تصبح المياه هادئة، وننمو بحرية أكبر، وأكثر تمدداً و كرماً.
ـ ضفافنا خصبة دائماً. ينمو النبات فقط حيث توجد المياه. وأياً كان من يتصل بنا فإنه يتعين عليه إدراك أننا هنا لنروي ظمأ العطشى من كؤوسنا العذبة.
ـ عليكم تجنب الحجارة. من دون شك، الماء أقوى من الغرانيت، ولكن الأمر يتطلب وقتاً طويلاً. ومن غير المجدي أن تترك نفسك تحت سيطرة عقبات أقوى، أو أن تحاول التصدي لها- فذلك مضيعة للجهد فقط. وأفضل شيء يمكن للمرء القيام به هو إدراك أين يكمن المخرج، والتحرك نحو ذلك الاتجاه.
ـ الأحزان تقتضي الصبر. يجري النهر إلى ما يشبه الحفرة ويتوقف عن التدفق بابتهاج مثلما كان. وفي مثل هذه اللحظات فإن الطريقة الوحيدة للخروج هي الاعتماد على مساعدة الوقت. وعندما يحين الوقت المناسب، فإن الأحزان تبلغ منتهاها وتتمكن المياه من المضي قدماً. فبدلاً من الثقب البشع عديم الحياة، هناك الآن بحيرة يمكن للآخرين تأملها بابتهاج.
ـ لا مثيل لنا. فقد وُلدنا في مكان أُعدّ لنا، حيث يتوفر لنا الماء الكافي الذي سيمدنا بالصبر والقوة اللازمين للمضي قدماً عندما تواجهنا الأحزان. نبدأ وجهتنا في الحياة بطريقة رقيقة وهشة، حتى أن وريقةً فقط من شأنها إيقاف تقدمنا. غير أنه عندما نحترم غموض المصدر الذي أوجدنا ونثق بحكمته الأبدية، شيئاً فشيئاً نكتسب كل ما نحتاج إليه لأن نتبع طريقنا.
ـ على الرغم من أنه لا مثيل لنا، إلا أننا سرعان ما سنصبح كثرة. فعندما نسافر، تنضم إلينا مياه من مصادر أخرى، لأنه أنسب طريق يمكننا اتباعه. إذن في هذه الحال لم نعد مجموعة واحدة، وإنما عدة مجموعات، وهنا تكمن اللحظة التي نشعر بأننا في تيه.
وعلى الرغم من ذلك، وكما يقول الكتاب المقدس، «الأنهار كلها تصب في البحر«. فبقاؤنا في عزلة تامة أمر محال، مهما بدا ذلك عاطفياً. وعندما نقر بتلاقينا المحتوم بمصادر أخرى، ينتهي بنا الأمر إلى فهم أن ذلك سيجعلنا أكثر قوة ونتجنب العقبات أو قد تملؤنا الأحزان بسهولة أكبر وفي وقت أقصر بكثير.
ـ إننا وسائل نقل. لأوراق الأشجار، القوارب والأفكار. فلتصبح مياهنا معطاءة إلى الأبد، فلننقل معنا كل الأشياء أو من هم في حاجة إلينا دائماً.
ـ إننا مصدر للإلهام. لذا نترك الكلمة الأخيرة للشاعر البرازيلي مانويل بانديرا:
«كن كنهر يتدفق/ في صمت في منتصف الليل
لا يخشى عتمة الليل/ يعكس أي نجم في السماء
وإذا امتلأت السماء بالسحب
فإن السحب مياه، مثل النهر، لذا
اظهر انعكاسها أيضاً بلا ندم/ في العمق الصامت».
ترجمة: كوثر علي