إذا كانت الصور في المجلات والصحف تتجاوز ملامحها البشرية، لترقى إلى مستوى الرمز السياسي أو الثقافي أو الفني أو الرياضي، وما إلى ذلك من رموز. لدرجة أن فرض الصورة بشكل يومي يفرض صاحبها على عقول الناس وثقافتهم،
فقد تصبح العديد من الوجوه العالمية السياسية أو الفنية أو الرياضية، التي تتكرر يوميا رمزاً يقتدى به، وقد يثير الحفيظة لتعليقها على الجدران أو السيارات أو غيرها من أماكن، لكن العدوان الأخير على لبنان يثير تساؤلات كثيرة بشأن الصورة وتداعيات ثقافتها الجديدة.
ماذا قدمت مشاهد الدمار التي يعجز عن تخيلها أي فنان تشكيلي مبدع، أو يعجز عن وصفها أمهر الكتاب، للمشاهد العربي الذي يجلس أمام الشاشة، هذه الأشلاء تذكرنا بلوحة «الغورنيغا» التي رسمها رائد التكعيبية الفنان الإسباني بيكاسو أثناء الحرب الأهلية في اسبانيا، والغريب أن نسخة من هذه اللوحة تحتل مساحة كبيرة من جدران مقر الأمم المتحدة، كأنها تتحداهم وتقول لهم: ما زال العالم كما قدمه بيكاسو لوحة رمادية تعكس ويلات الحروب، وصرخة اعتبرها الكثيرون «الأرض الثائرة التي تطلب الانتقام».
ويتكرر هذا العالم المأساوي بكل مشاهد الدمار، التي اعتادت عين المشاهد العربي على رؤيته، بينما خبأت شبكة الـ «بي بي سي» البريطانية هذه الصور التي أخفاها مراسلوها عن الأعين، خاصة تلك التي تعكس مجزرة قانا. قالوا: «لا نستطيع أن نخدش مشاعر المشاهد، الفكرة وصلت هناك مجزرة».
هؤلاء لديهم ثقافة مختلفة تبين أهمية الصورة وتأثيرها وتداعياتها، وإنها تصدم التخيل وتفوقه في أحيان كثيرة، بل وتجعل الموت قريبا، وعاديا، رغم أن هناك أرقاما لا تعكس الحالات التي يعيشها البشر والمأساة الجماعية التي تخيم على الجميع.
بينما بقي مشهد هدى الفتاة الفلسطينية التي اقتنصوا أهلها على شاطئ البحر يدوي في الخيال لأيام وأيام، كما دوى صراخها الهستيري الذي حملته الأمواج بعيدا إلى كل العالم إلا أن صور حرب لبنان، وويلاتها لم تستوعبها المشاهد فالجديد حاضر دائماً يلغي ما قبله.
أي المشاهد سترسخ في الذاكرة؟ مشاهد الأمس أم اليوم أم ما قد يحدث في المستقبل؟ فمشاهد هذه الحرب تعيد تاريخ الحروب العربية المعاصرة التي انتهت والتي لم تنته، وتذكرنا بما كدنا أن ننساه، هذه الحرب التي قذفت بضحاياها إلى شاشات التلفزة أيقظت شعورا نائما، ولم تستطع أن تجعل من الموت وحشا أليفا، الموت الذي حملته الأسلحة القادمة من عدو تاريخي. تثقفت أجيال على خطورة وجوده، لتلفظ لنا الصور الملطخة بالدماء، المبعثرة بالأشلاء ما كان قد نساه جيل بأكمله.
إنها الصورة التي جعلت الأطفال يسألون أهلهم ليل نهار عما حدث لماذا يقتل غيرهم، هذه البيوت التي تُدمر حقيقية أم وهمية، ربما ليست من أفلام الكارتون. ثقافة الصورة جعلت التحليلات التي تتجدد تجدد الثواني، تسير باتجاه آخر ليكتفي المشاهد بما حصده اليوم من دمار يشعره بأن النهايات لا تحتاج إلا لثوان، وان التكنولوجيا سُخرت للحرب والدمار، طائرات تقصف هنا ولا تقصف هناك، صواريخ تختزل المسافات بزمن قياسي.
وهذا ما يجعلني استحضر الشاعر التشيلي بابلو نيرودا عندما افتتح مجموعته الشعرية التي تحمل عنوان «كتاب التساؤلات» بأبيات قال فيها: «لماذا لا يدربون الطائرات العمودية على استخراج العسل من الشمس».
إنهم لم يدربوا الطائرات إلا على الدمار، ما رأيناه من صور لم يعكسها أرشيف الكاميرات التي تعود لعشرات المحطات والصحف تعيدنا إلى القول لم لا يعيدون النظر في عالم يحتاج إلى عكس صوره وإعادة صياغتها من جديد بهدف تغييرها، لا يمكن أن ننسى كيف خبأ العدوان صوره عنا، احتفظ بهزيمته ومشاهد رعبه، بينما لاحقت الصور الأخرى كوابيسنا، وأعادت صياغتنا من جديد، بل وأعادت صياغة العالم لأننا لم نخبيء حصاد قانا عن أعينهم، كما فعلت الكثير من المحطات والصحف.
abeer_younes@hotmail.com