ينظر بحسرة وربما حسد قسم كبير من سكان الكرة الأرضية إلى ما يتمتع به الغربيون من تكافؤ فرص العمل والمعيشة، وقوانين العدالة وحقوق الإنسان والأهم نعمة الحرية الشائعة التي تضمن لهم التميز في الابتكار وتوفر لهم مساحة الإبداع بكل مجالاته ومستوياته ومنه الإبداع الأدبي والفكري. ولطالما نجح الغرب في الدعاية الشاملة ذات الأبعاد المقصودة لأهدافه ومنها الترويج لإيمانه بالحريات وضمانه إياها ومنها حرية التعبير واجتهاده في تسويق أنماط أنظمته (الديمقراطية) باعتبارها أنموذجاً يحتذى ويجب أن يعمم.
هذه الشعارات نجحت في إغواء العديد للهجرة إلى حيث (النعيم) بحثاً عن جنان الديمقراطية وعدالة أصحابها التي كانت مبررهم الدائم لفرضها بالقوة وبالنار وبالدم، ومن دون استثناء. ومع ذلك مازالت الغشاوة تحجب الرؤية عن أبصار كثر من الحالمين بمرابع الحرية وبمعطيات نعيمها المزعوم. ويشهد الواقع الدامي المشتعل بالحروب والذي لن تتوقف هذه القوى عن إذكاء نيرانه طالما يغذي ذلك مطامعها القبيحة.
في العام 2005 صدر في بريطانيا كتاب بعنوان (120 كتابا ممنوعا) يكشف نزعات الغرب المزيفة ومزاعمه المضللة وكذبه الدائم حول شعارات الحرية. استعرض الكتاب مجموعة الكتب الممنوعة على مدى عقود في الغرب وكلها لكتّاب غربيين. منها رواية (هدوء على الجهة الغربية) أو حسب الترجمة الحرفية (لا شيء جديداً في الغرب) لاريك ماريا ريمارك الصادرة في ألمانيا عام 1928 وفي أميركا 1929. نجحت الرواية في أن تكون كتاب الشهر لشهر يونيو في أميركا؛
ولكن بعد بعض التغييرات.. إلغاء (3) كلمات و(5) مقتطفات وجزأين كاملين! سنة 1929 مُنع الجنود الاستراليون من قراءة الرواية. في عام 1930 تم تحويل الرواية إلى فيلم سينمائي نجح بتفوق على جميع الأفلام وأحرز أوسكار أفضل فيلم وأفضل مخرج. وفي 1933 أخفيت الرواية من المكتبات العسكرية في تشيك، كما مُنعت في ايطاليا، وفي السنة نفسها أحرقت كل أعمال ريمارك.
القائمة تستعرض 119 كتاباً آخر ومنها رواية (اريوبا جيستيكا) لجون ملتون إصدار 1644 في انجلترا وعام 1888في أميركا، رواية (جوني يحصل على سلاحه) لدالتون تراسو صدرت في أميركا، (مزرعة الحيوانات) لجورج ارويل إصدار 1945 في بريطانيا و1946 في أميركا، (سجن لليانسكيز) لماكنالي كانتور صدر في أميركا، سيرة (الفتى الأسود) لريتشارد رايت صدرت في أميركا، رواية (سيدي الرئيس) لميجيل أنجل أستورياس إصدار 1946 في المكسيك و1963 في أميركا،
رواية (برجرز دوتر) لنادين جوردايمر صدرت في انجلترا وأميركا ومُنعت في جنوب إفريقيا. رواية (الهارب) لبرامويديا أنانتا توير إصدار 1950 في اندونيسيا و1990 في أميركا، كتاب تاريخي (أرض الأحرار.. تاريخ الولايات المتحدة الأميركية) لمجموعة مؤرخين، رواية (أخي سام مات) لجيمس لنكولين وكريستوفر كوليد صدرت في أميركا،
رواية (روح حصان مجنون) لبيتر ماثيتون إصدار 1983 في أميركا. هي أعمال فكرية وتاريخية وأدبية القاسم المشترك بينها؛ أنها تصور بشاعة الحروب، وتتحدث عن كبت حرية التعبير، وعن المأساة الإنسانية بصوت عالٍ لتخفيف المعاناة عن أسرى الحرب، وتدين جرائم الحرب، وتبحث عن العدالة. إذن (120كتاباً) مُنعت فقط لأنها تحرِّض على (لا حرب ).
هؤلاء هم مروجو الحريات الزائفة والمشوهة؛ المدججون بالخراب. إنهم مستمرون في تغذية مصالحهم بإبقاء أوار الحروب مشتعلاً .. يعملون فينا نيرانهم وأسلحتهم المحرمة. إذن إلى متى يَتَسمَّر المُستَهدَفون على ما قاله بنو إسرائيل (...فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ). (المائدة 24)
falhudaidi@albayan.ae