نشأ المرء على صلة جيدة بالمذياع أو جهاز (الراديو) كما درجت تسميته يستقي الأخبار عبر خط الأثير فتشكلت ذائقته وتكوّن جانب من ثقافته. من خلال هذا التواصل على مدى عمر صار الارتباط جسراً من الاخلاص، واستمر على الرغم من هبوط مستوى أكثر ما يُبث؛ إلا أن المرء لاينفك يُمني النفس باختراق سمين ينبلج من وسط الغث.

شيء من الانبلاج تحقق مع التوجه الجديد لشبكة الاذاعات العربية في دبي مما جعل التواصل يأخذ شكل التقصّد لمتابعة برامج الاذاعة فيكتسب المرء بذلك فضيلتين؛ التعرف على التوجه الجديد عن كثب، والتغلب على مكابدة الازدحام اليومي المستشري، فكانت بحق - نور دبي - سلوى لاجتياز طوابير السيارات والصمود وسط أبخرة عوادم الشاحنات المدخنة.

إنه توجه يحاول مواكبة تطلعات المجتمع ومتطلبات الفرد، حيث تم تلمس مجسات ظلت ردحاً من الزمن في فلك الجرم المجهول. من خلال المتابعة المتيسّرة كشف عدد من البرامج المباشرة التي تنطلق من المستمعين خبايا مذهلة. وكم من المشكلات المترسبة؛ لم يكن المرء يتصور وجودها أصلاً ناهيك عن إدراك حجمها.

ونشير إلى برنامجي (فتاوى) و(حياتنا) مع ملاحظة كم المكالمات والمحاولات التي يقوم بها المستمعون للحصول على فرصة حديث؛ لا نعلم حجمها بالتحديد لكنها بالتأكيد كبيرة نظراً لتعليقات المتصلين على محاولاتهم المستديمة والتي يضيق وقت الحلقة المخصص على استيعاب أكثرها.

وإذ نشير إلى هذين البرنامجين فقط فان ذلك لا يعني التجاهل أو التقليل من جودة باقي البرامج المتنوعة، وإنما الاختيار فرضته طبيعة البرنامجين ونوعية المتصلين؛ حيث الأول ذو طابع شرعي ديني والثاني نفسي اجتماعي. وقد شكّلت النساء، حسب المتابعة المتكررة، النسبة الأكبر للاتصال ببرنامج فتاوى، بينما شكّل الرجال النسبة الأكبر للاتصال ببرنامج حياتنا. هذان مؤشران قد يفيدان في التعرف إلى اهتمامات المرأة وتوجهاتها ومعاناتها،

والتعرف إلى اهتمامات الرجل وما يعانيه. ففي الوقت الذي حرصت النساء على التواصل بـ (فتاوى) حرص الرجال على التواصل بـ (حياتنا). ومما لاشك فيه أن ذلك لايعني أن كل النساء سليمات نفسياً أو أن الرجال غير حريصين على الجانب الشرعي. وإذ تأتي الإشارة إلى هذين النموذجين من البرامج فلكونهما قد عكسا كماً من المشكلات التي يكابدها الطرفان؛

وإن كانت البرامج الدينية ليست جديدة على الطرح إلا أن الجدة في طرح المشكلات النفسية، وقد تبين أن هناك الكثير منها والعميق إن لم يكن المستفحل أو المستعصي. ولعلها دلالة تدفع إلى أن تستفيد منها الجهات المختصة والمسؤولون عن التنمية الثقافية والمجتمعية وإن كان الجانب الأخير المعني الأول بضرورة الاستفادة.

وهنا يمكن القول ان كثيراً من مظاهر الخلل السلبية على المستوى الثقافي والاجتماعي والاقتصادي في المجتمع، والتي غالباً تنسب إلى غلاء المهور أو المعيشة، وغياب التوازن في خطط التنمية العامة وتمويلها وغيرها؛ لكن ليست تلك العوامل فقط المسؤولة عن هذه النتائج إنما هناك علل نفسية مزمنة ومركبات شخصية معطوبة مسؤولة بلا شك عن كثير من الظواهر التي أفرزها الواقع وكشفت بعضها (نور دبي).

ومع الاشادة بهذا التوجه الحيوي والشفاف ذي السمة الاجتماعية والصبغة الروحانية لشبكة الإذاعة العربية يُلاحظ قصور في بعض الجوانب التي لاشك بأن حداثة التحول تمنحها العذر، ولكنه عذر إلى حين؛ ونأمل ألا يطول.

falhudaidi@albayan.ae