الأسئلة عن دور المثقف، وإذا ما زال صاحب دور ريادي أو إذا ما زال له دور يؤديه لا تتوقف، والدافع لهذا الطرح هو التراجع الملحوظ لدور المثقف، وتضاؤله في عالم اليوم حيث الثقافة العربية عامة - محلية وقطرية - في مفترق طرق؛ بينما يسجل غيابه اللافت أو عزوفه عن الفعل الثقافي المستمر والمواكب.
تتفق أغلب شرائح المجتمع على أنه لم يعد هو صاحب الدور الريادي المحرك للمكنون الثقافي والاجتماعي. وأمام الأسئلة السابقة يعلل المثقف موقفه بأنه محاصر بمشاعر العجز بسبب القيود المفروضة عليه؛ مما تدفعه إلى الإحباط واليأس والعزلة، ومن ثم الهجرة؛ إما إلى خارج الحدود أو هجر المجال إلى آخر غيره.
عدد من الأسماء البارزة والجادة قبل عقد من الآن ممن تبلورت روآها وبدأت خطاها نحو بناء المشروع، وممن كان لها صوت يعد بإمكانية القيام بدور مؤثر؛ ابتعدت عن الساحة تاركة الأضواء والأجواء الثقافية، وقد وجدت ضالتها وجدواها في أجواء المال و( البزنس ). فهل يلام هؤلاء إذ حاولوا التخلص من القيود المحبطة بالسعي نحو تأمين عصب الحياة؟!
لكن ذلك لا ينفي رؤية البعض أن مزاعم المثقفين ( لمشاعر العجز إنما هي وهم يصنعه المثقف ليوهن نفسه أو ليواسيها لأنه عجز عن فهم الواقع الذي طالما تعامل معه بتعال ناشئ عن شعور بالتفوق والتميز عن المحيط حوله).
من جانب آخر يحتفظ المتفائلون بالنظرة البديهية للمثقف، وبأنه هو صاحب الرؤية، أو أداة الحراك الاجتماعي والثقافي والسياسي، وهو الدافع الأساسي لأي تطور أو تنمية، وهو الذي يلعب دورا في ربط الثقافة بالواقع الفكري لأنه صاحب موقف من الحياة وصانع الفكر، ويؤكد أصحاب هذا الرأي على دور المثقف واستمرارية هذا الدور وتميزه.
بل تطوره مع المتغيرات التي طرأت على المجتمعات العربية عامة، وأنه القادر على التعامل مع هذه المتغيرات. وطالما بقيت النظرة إلى المثقف بهذا الحجم من الثقة؛ فلم يمعن المثقفون إذن في الابتعاد والعزلة الاختيارية؟
ولم يثبتوا على أنفسهم صفة الاستعلاء على هموم الناس وقضاياهم؟ ويوثقون الرأي القائل بأن ( المثقف يجعل أي دور جديد له محكوما عليه بالفشل لأنه سيصبح دورا معزولا كصاحبه ).
أما المثقف إذا ما ووجه بتلك الآراء فإنه يستاء مما يعتبرها مغالطات أو مبالغات بعيدة عن الصواب، مؤكدا على تجاهل مجتمعه له ولتجربته وروآه، وأنه مستبعد من المشاركة.
حيث لا توجه إليه دعوات لحضور الفعاليات الثقافية الجادة؛ بينما الدعوات تأتي إليه من خارج الحدود مثمنا ذلك التقدير الذي يمنح له من الخارج بينما في وطنه لا يستعان بخدماته، ولا يسعى إليه! ألا يستحق الوضع لقاء يشمل جميع الأطراف من أصحاب الرؤى؛ لسد الذرائع، وردم الثغرات، ودفع التهم، وتثبيت الأدوار؟!