كأن المحن تجتر الضحايا نفسها! فها هي الشاعرة الفلسطينية المقيمة في العراق سارة رشاد؛ وبعدما كانت ضحية الاحتلال الإسرائيلي لوطنها فلسطين مرة، غدت ضحية الاحتلال الأميركي لموطن إقامتها العراق مرة أخرى، وما بينهما وجدت نفسها تتجرع مرارة الاجتياح العراقي للكويت لتكون ضحية لمرة ثالثة.
كيف يمكن للمرء أن يترجم مشاعره وقد غدا وجبة يومية في وليمة العذاب والقهر؛ واجدا رأسه مصمتا بين جدارين مسقوفين بوابل من التشريد والقتل والموت؟
هل يمكن للكلمات أن تقيس مدى المعاناة والأذى؟ أو تعبّر عن حجم الألم لمن استهلك ثلثي عمره بين نزوحين، وهاهو في ما تبقى من عمره عبثا يبحث عن نزوح آخر يستودعه ما تبقى من رمق الحياة!
تلقيت رسالة الشاعرة سارة رشاد كغيري من أعضاء أحد المواقع الأدبية وقد وجهتها بنفسها إلى منظمة كتاب بلا حدود؛ تناشد فيها الإنسان لإيصال صوت معاناتها وعائلتها؛ لعلها تجد سبيلا للخلاص.
تود سارة وهي (طالبة جامعية في السنة الثالثة لدراسة هندسة سيطرة ونظم الكترونية تخصص فرعي ميكا ترونيكس) أن ينتشر صوتها.. بعدما عجز صراخها وأسرتها، وما عاد يكفي للسماع. إنه اليأس الذي خرج وأخذ يطرق أبواب الشبكة العنكبوتية؛ على أمل ألا يستمر موتهم أكثر وبلا نهاية كما جاء في مناشدتها.
تلتقط سارة أنفاسها رغم الوضع الذي يزداد سوءا على الجميع في العراق.. اعتقالات.. تفجيرات.. تصاعد وتيرة القتل الطائفي.. وهم وسط ذلك تحيطهم جدران السجن؛ محاولين تناسي الرعب والموت والقتل الذي يطلبهم يوميا؛ وقد طال أباها أولا وهو يحاول الخروج عبر الحدود العراقية الأردنية وقد رُفض طلبه لحمله الوثيقة المصرية.
ولاحقا تم اعتقال شقيقها ثم تعذيبه لأسابيع لوجوده مصادفة قرب تفجير ما، ثم يختطف بعد ذلك ليلقى مصير أبيه. تقف سارة وعائلتها.. الوالدة والأخوان الجامعيان والأختان وأرملة الشقيق الشهيد وأبناؤه؛ بين الحواس على مرمى الفؤاد؛ مستنجدة بالهمم الحية، وبالمشاعر الإنسانية؛ لعل من يستمع لصوت عذابها المستغيث فيلقي لها وإياهم بحبل النجاة.