وضع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي كتاب (رؤيتي) ضمنه خلاصة تجربة فعلية في جانب من جوانب خبراته وهو مجال الإدارة، مقارنا فيه بين خصائص الإداري وخصائص القائد.

ومفندا مهام كل منهما. جاء الكتاب في خمسة أجزاء بدأ بحكاية مختزلة ومكثفة عنوانها (الغزال والأسد)، وهي ذات أبعاد ودلالات ورموز غاية في العمق؛ تعكس قدرة الالتقاط وبلاغة التعبير الموجز، وتصور المعنى في مشهد مباشر لا يحتمل التأويل؛ بل يؤدي إلى المغزى المراد بلا انحراف.

تنهمر من الكتاب لغة الشجاعة الفذة وجرأة القيادة الواثقة، ووضوح يغمر القارئ باطمئنان ينساب إلى جوارحه لتنمو أفكاره على ربوة مخضرة وواحة من نخيل.

وعلى الرغم من كون الكتاب في الإدارة، فقد يتصور المرء أنه لا يقترب من الشأن الثقافي؛ لكن الواقع أن منطلقه وهدفه يخدمان هذا المجال وينعكسان عليه؛ خاصة مع براعة اللغة السلسة.

ولعلنا نتوقف في الجزء الخامس عند بعض المفاصل على سبيل المثال والاستشهاد. فهو حين يتحدث عن إشكالية العالم العربي ومعضلته فإنه يضع النقاط على الحروف ملخصا إشكالية شائكة ومتشابكة في عبارات مبنية على ما قل ودل إذ يقول إن (جزءا من معضلتنا في العالم العربي هو أن هدف الكثير من القرارات ليس خدمة مصالح الشارع العربي وتحسين أحواله الاقتصادية والمعيشية؛ بل إرضاءه والعزف على الكلام الذي يحب سماعه.ص 61).

وحين يؤكد عمق وجود هذه الأمة التي يعتز بها؛ ويتحمل مسؤولية بقائها بالروح الواثقة المملوءة بالتحدي؛ رافضا ميلها إلى ارتداء ثوب ليس ثوبها ولا يمثل هويتها ولن يأتي على مقاسها فيقول:

(وجودنا في المنطقة ليس مؤقتا، ولم تولد أمتنا قبل مئة سنة أو مئتين؛ نحن هنا منذ آلاف السنين، وننوي أن نبقى هنا آلاف السنين، ونحمل في عقولنا وضمائرنا وطبيعتنا، وفي الوعي واللاوعي تراكمات حضارات وتراث وعادات كل تلك الألفيات؛ إذا غيّر الإنسان كل هذا لكي يكون ديمقراطيا غربيا فسيكون في حاجة إلى من يدلّه على نفسه؛ لأنه لن يكون الشخص الشرقي ذاته. ص 198).

أما حين يعلن رأيه في قضية العصر - الفضفاضة - «صراع الحضارات» والتي لا يريد الكثيرون النظر إلى مؤشراتها الحقيقية والإمعان في الخوض المكرر في سجال وجدال عقيم؛ فإنه يحسمه في إحدى عشرة كلمة إذ يعلن أن (العدو الدائم للإنسانية هو الجوع والمرض والجهل، وليس الحضارات أو الأديان الأخرى.ص202).

ثم يؤكد قائلا (انسوا الضوضاء الصاخبة من حولنا وتجاهلوا التهديدات وصموا آذانكم عن حديث الحروب والتوتر والكلام الفارغ عن صراع الأديان والحضارات.

المنطقة مقبلة على ازدهار اقتصادي لم نعرفه منذ ألف عام ولا تحتاج إلى جهد غير عادي لاستكمال وصفة صنع الدول العظمى.. الأمن وسيادة القانون والقرارات الاقتصادية الصائبة والابتعاد عن الارتجال في التخطيط والتنفيذ والكف عن لوم الآخرين على قصور نحن سببه الأول.ص 215).

أما حين يتحدث عن فئة استمرأت مهنة تكسير العزائم فإنه يقول (يوجد بيننا من احترف تذكيرنا بنقائصنا ونقاط ضعفنا كأنه الوحيد الذي يعرفها؛ لكننا لا نريد مزيدا من الطاقة السلبية..) إنه لا يؤنب تلك الفئة إنما يرد بسبع كلمات لا تلخص موقفا فحسب؛ بل تختصر الزمن إلى المستقبل إذ يقول في نهاية الفقرة السابقة: (... والوقت المثالي لبناء التنمية دائما هو الآن.ص 213).

ولعلنا نختم بالعبارة البليغة؛ الشديدة الشفافية التي يلخص بها دعوته إلى ضرورة التحدي وامتطاء صهوة البناء الحضاري فورا، والمضي في سباق الأمم إلى المستقبل فيقول: (تخلفنا الماضي غمضة واحدة من عين التاريخ. ص214). (رؤيتي) كتاب ذو أهمية مستقبلية وحضارية؛ عسى أن يتمعن في عباراته وعبره أبناء الوطن وبناته، ومن يقيم في ربوعه.

falhudaidi@albayan.ae