عبد الإله عبد القادر
مازلت أذكر لون جلده الأسمر وسحنته كما أذكر لون جلدي، هذا الزبيري الذي أبى أن يرحل مثل غيره، وأصر على البقاء سابحاً في رمال الزبير، معتزاً بانتمائه البصري، متسلحاً بالشعر وبالحسن البصري وبالنخلة ومسجد الإمام علي.
محمود البريكان .. حارس الفنار، عرّاب الصمت والعزلة التي توجه الشعر، وتلبست نهايته دراما بل تراجيديا حزينة.
عام 2002 اغتاله لصوص وهو أعزل في بيته .
هكذا تناقلت الصحف خبر موته .. !!
هل صدقنا ؟!
ما الذي يريده اللص من محمود البريكان، وهو رجل فقير ليس له حساب في مصرف ولا يملك شركة تجارية أو عقارات، ولكنه غني بالشعر والكلمات، فإذا كان اللص يحلم بمال فطبيعي أنه لن يقصد البريكان، بل سيقصد مكاناً آخر فيه لمعان الذهب ورائحة البنكنوت.
هل كان اللص القاتل شاعراً فذهب ليسرق ما فقده؟ .. هل قتله انتقاماً كونه مبدعاً؟.
هل كان محمود البريكان يعلم أن نهايته قريبة، وأن زائراً سيمزق قلبه ويوقف نزيف الشعر ويستبدله بنزيف الدم، في قصيدة حارس الفنار يستشرف البريكان هذه الصورة فهو يقول :
أعددت مائدتي وهيأت الكؤوس
متى يجيء
الزائر المجهول ؟
ـ ـ ـ
أنا في انتظار سفينة الأشباح تحدوها الرياح
في آخر الساعات قبل توقف الزمن الأخير
ومن ثم يقول في مقطع آخر من نفس القصيدة
أنا في انتظار الزائر الآتي
يجيء بلا خطى
ويدق دقته على بابي .. ويدخل في برود
لكنه يفاجئنا بأنه يعرف كيف تآمروا على حرق أجمل المدن
ورأيت كيف تدمر المدن المهيبة في الخفاء
شاهدت ما يكفي وكنت الشاهد الحي الوحيد
في ألف مجزرة بلا ذكرى
هل لأنه كشف المجازر كان يجب أن يغتال، وتغتال معه القصيدة والكلمة، حينما تقرأ هذه القصيدة يذهب عنك الشك في كون البريكان كان يدرك أنه مقتول لا محالة، وأنه كان ينتظر تلك اللحظة السوداء في حياته
أنا في انتظار اللحظة العظمى
سينغلق المدار
والساعة السوداء سوف تشل تجمد في الجدار
إذن هكذا كان الأمر الذي لا بد أن يحدث، كل الأمور تجري عكس مجراها .. والموت يجري عكس الحياة ..
محمود البريكان .. أغتيل .. أين قصائده التي سرقت ؟!
من الذي سرقها .. ؟! ولماذا لا يعاد فتح التحقيق في جريمة اغتيال الشعر ؟!
abdulelah_q@hotmail.com