* الانتماء للوطن يزداد عمقاً كلما ابتعدنا عنه، والإحساس بالمواطنة يتوغل في قلوبنا مع تباعد المسافات، وما أصعب الحياة بعيداً عن الأهل والديار والأصدقاء، وإذا كان الاغتراب له ثمنه الفادح، فإن من مزاياه توحد المشاعر إلى حب الوطن والدفاع عنه أمام أية إساءة ولو بالرمز.

وأحسب أني شربت وتجرّعت مرارة الاغتراب لمدة تصل إلى 20 عاماً عشت خلالها متابعاً ما يحدث من بعيد ولم تكن وسائل الاتصال متوفرة وكان الاتصال الهاتفي يقتضي الانتظار لساعات طويلة في قاعات الهواتف بدبي، وأدرك تماماً الحساسية المرهفة لمشاعر المغترب إزاء كل ما يكتب عن بلاده أو ما يذاع عبر وسائل الإعلام وما أكثرها في هذا العصر.

* المشاعر نفسها لم تتغير وتذكرني بسنوات الاغتراب في بلاد الأحباب، فالبعض لم يرضه طرح مشكلات الرياضة المصرية من خلال الرسائل اليومية، والبعض يراها نوعاً من الفتنة، ويبيع للوطن على »صفحات الجرائد« وتتعدد ردود الأفعال كلما عرضنا مغامرات مرتضى منصور رئيس نادي الزمالك، وسقطات حسن حمدي رئيس النادي الأهلي.

وقبلها بسنوات سلبيات ملف استضافة مونديال 2010، وبعدها ما حدث خلال انتخابات بعض الأندية، وتتزامن معها الأحكام القضائية التي باتت جزءاً لا يتجزأ من الحركة الرياضية، فالمحاكم تحل مجالس إدارات وتمنح الشرعية لمؤسسات رياضية في مشاهد لا يجوز إغفالها وتثير الدهشة لتسارعها واندفاعها.

* المغترب يراها عورات يتوجب إخفاؤها، مع أننا في عصر الإعلام المفتوح الذي يكشف ما يدور في كل منزل وكل وطن، والمغترب يرفض ما يحدث من ممارسات خاطئة، وأيضاً يرفض نشرها خارج الحدود، وتتسارع الدماء في الشرايين غضباً كلما قرأ عن سقوط مسؤول في مصيدة فساد ليست حكراً على بلد بعينه، بل تنتشر في كل العالم بما فيه بلاد »بوش«.

* وفي ظنّي أن المقيم في قلب الوطن يراها بعيون عاشقة، كما يراها المغترب بعيونه القلقة الولهانة المتلهفة، والفارق الوحيد أننا نعيش الرياضة المصرية بكل ما فيها من أحداث وبؤر توتر.

وأيضاً بكل ما فيها من حرية في طرح المواقف النبيلة، ولم تكن الأوطان فقط أغنية وردية نرددها على شاطئ النيل مع شمس الأصيل، كما كنت أراها أيام الاغتراب، بل هي أيضاً معايشة لتحولات تموج بها النفوس والقوانين وصدامات بين تيارات مختلفة من الفئات، وهذه شرائح يصعب التستر عليها وإخفاؤها عن العيون بمنطق زمان.

المواطنة هوية نستلمها فور الولادة ومعها يتنامى حب الوطن يوماً بعد يوم، والأمم تعلو وترتفع كلما خف وزن مشكلاتها وأزماتها، ولن تنصلح أحوالنا إلا بالمصارحة والمكاشفة برقي وتحضر، وأقول لأصدقائي المصريين في الإمارات الحبيبة: نرى أوطاننا بنفس العيون العاشقة ونتلهّف لإعلاء شأنها ولا نخجل من أزماتنا، بل ممن يحجبون أضواء الشمس الساطعة.

ولكم تحياتي.