معظم المجتمعات الإنسانية، وشعوب العالم؛ تلك التي تستند إلى تاريخ حضاري عميق، أو تلك التي صنعت لها تاريخاً حديثاً؛ كلها؛ تؤمن برسالة الأدب والفن، وقدرتهما على تحقيق ذلك الأثر؛ الذي كثيرا ما تعجز عن تحقيقه السياسة؛ في حوارها القائم على الآليات العسكرية أو الحربية، والدبلوماسية في حوارها الخطابي المطاطي، أو المكوكي.

والفن السينمائي واحد من وسائل نقل الرسالة؛ خاصة في هذه المرحلة حيث نجح هذا القطاع في استقطاب رواد من كل المستويات الثقافية والمجتمعية والعمرية.

لن نتناول تلك الفئة التي وجدت في الإنتاج السينمائي فرصة سانحة لاستغلال نجاح وانفتاح هذا القطاع ل«دلق» كم من الأعمال الفنية الهابطة؛ ذات الصبغة الاستهلاكية، الربحية البحتة.

وإنما تلك الفئة التي تستثمر هذا المجال لبث وتوصيل رسالتها، وتضمينها توجهاتها وإعلان مواقفها. قبل أسابيع قليلة كانت انتهت دور العرض في الإمارات من عرض فيلم «وادي الذئاب». وقد سبقت الفيلم دعايات مكثفة بقرب عرضه و«الإغراء» بمشاهدته.

تناول هذا العمل؛ مرحلة حاضرة؛ هي من أحرج المراحل العصيبة التي تمر بها؛ ليس الأمة العربية فحسب؛ بل أمم العالم كله، وشعوب المنطقة، على الرغم مما يكابده العراق وحده.. عراق الإنسان والشعب بكل انتماءاته ومعتقداته وطوائفه؛ بسبب «تزكية» حظه العاثر؛ فيرجم التاريخ فيه والجغرافيا بهذه الحرب النجسة.

ومن الوهلة الأولي يتضح أن «وادي الذئاب» - موضوعنا - عمل سينمائي ظاهره مشترك، بين عدد من القوميات... حيث فيه العنصر الأميركي والكردي والتركي والعربي. كما تتضح مضامين الفيلم وأهدافه.

إلا أن انحيازه المشروع للجهة المنتجة لافت، ونبرة الثأر التركي مرتفعة. مما لاشك فيه انه عمل يكشف الوجه القاتم للحرب، كما يفضح مبررات الحرب الحقيقية المخزية على العراق، وزيف المبررات المعلنة.

وذلك من خلال سياق الحوار بين أبطال العمل المختلفي الثقافات والانتماءات حين يجتمع سرا؛ البطل التركي (رامبو المخلِّص) بأحد العناصر الكردية المتنفذة في العراق، الموالية لأميركا،والتي تتمتع بحماية أميركية.. يقول (وزّعوا البلاد حيث أعطوا الصحراء للعرب، والجبال لنا، والبترول لهم) أي للمحتلين.

نجح الفيلم في تسليط الضوء على أكثر الجوانب المخبوءة قذارة، وهي المتاجرة بالأعضاء البشرية، وترحيلها مباشرة إلى «تل أبيب» إلى جانب الممارسات المتغطرسة التي تتفوق على جميع الصفات السادية.

لا يسع المرء سوى الإشادة بمساحة الحرية المتوفرة حيث يطرح مثل هذا العمل الجاد والجريء، ويجد الترحيب بعرضه من دون تحفظات أو ملاحظات.

«وادي الذئاب» عمل حمل وجهة نظر ساخطة ورافضة لما يمارس على ارض الواقع في العراق، وهو الأمر الذي ينم عن تشجيع الإنتاج الجاد والهادف؛ مهما كانت أبعاده، وتوجهاته.

حيث تُحترم وجهات النظر كافة. ولعل موت شخصية البطلة العربية «ليلى» في نهاية العمل دلالة موازية؛ لسيادة الكفاءة لصاحب البطولة المطلقة التركي «بولات اليمدار».

ترى هل يأمل المتفائلون بأن يستثمر المنتج العربي هذه الرخصة المثالية؟! وهل ينتظر المتلقي قريبا إنتاجا عربيا جادا وجريئا؟! وهل تغري الفرصة؛ التاجر العربي؛ فتستفز مشاعر السخاء لديه والغيرة؟!

أم تظل خيارات استثماراته مقيدة؛ للسباق نحو أسواق المال، ومضاربتها المحمومة؛ رغم ما تشهده بورصاتها من انعكاسات ونتائج سلبية حينا، وغير مشجعة أحيانا؟!

لم يقم الآخرون بصياغة حقائق تحسب لهم؛ بينما هي من صميم واجب العربي ومسؤولياته! ترى متى يلتفت إلى قضايا اللغة والحضارة والتاريخ والجغرافيا؛ طالما ظل مراوحا، بين قضيتين رغيف الخبز، ولقمة العيش! أو منشغلا؛ بسوق المال؟!

falhudaidi@albayan.ae