لا يتصور المرء أن أمة قد تتبرأ من لسانها، وتتنكر لثقافتها، وتهجر لغتها، طوعاً، أو أن تشكل نسبة ولو بسيطة من العقوق. إلا أن المرحلة تشهد تحولاً لافتا أخذ يطفو على سطح الواقع المحلي، مما يشير إلى مثل ذلك الأمر.

وهو ما يشكل هزة لهذا التصور. ويبدو ذلك في نفور أبناء الأمة العربية من لغة الضاد، لغتهم الأم، ومعاملتها بجحود وتعالٍ. ولم يقتصر الأمر على الجيل الجديد.

ممن ولد من رحم التقنية الحديثة، واحتضنته مفاهيم العولمة فحسب، وإنما هو توجه الجيل الثاني والأول مع الأسف. وهو الأمر الذي ينذر بعواقب ليست محمودة.

لا شك أن كثيرين تناولوا هذه القضية، خاصة في مجتمع الإمارات ذي المزيج ـ غير المتجانس ـ من الجنسيات والثقافات واللغات المتزايدة. ناهيك عن توغل لغة الحاسوب الأساسية، والتي حجزت لها مكان الصدارة في عمليات التواصل، وسُع نطاق مجالها أو ضاق، فهي متربعة في كل الزوايا، ألا وهي اللغة الانجليزية.

يتذكر المرء شعوبا تعتبر من أعرق الشعوب ثقافة، ومن أوائل من مارس الأدب، والإبداع الفني، ومن أوائل من تواصلت مع أدبه باقي الحضارات، فرنسا على سبيل المثال، وألمانيا، لكنهما تعتزان بلغتهما بلا أدنى تنازل.

ففي فرنسا لا يجيز الفرنسيون لأنفسهم التخاطب مع أي زائر مهما كانت جنسيته ولغته، بغير لغتهم الفرنسية.

فلا يستغرب الزائر لهذا البلد، إن وجد نفسه يسأل بائعاً على سبيل المثال، فيظل صامتاً بلا رد، أو تعبير، تاركاً إياه يستعرض ما يُلم به من لغات متفرقة، بهدف التفاهم معه، وإيصال مطلبه.

ما لم تكن الفرنسية من ضمنها، ولعله يقبل بلغة الإشارة، على أن يتحدث بغير لسانه، يتعرض السواح في فرنسا لكثير من هذه المواقف، حيث لا يهتم التاجر بربحه المادي، بقدر إصراره على عدم التنازل عن لغته، وداخل بلده، للغة أخرى، فهو يبجلها، ويغلب ولاءه لها على أي رغبة.

كان ذلك الحال قبل ان تتغلغل الانجليزية، وتستقر بين الأضراس كافة، فكيف به اليوم، وقد أخذت تزاحم لغات العالم، كما لو كانت فرض عين، وكيف لا.

وقد أصبحت تمنح متحدثها جواز الدخول إلى أي مهنة، أفلا يتمسك أكثر بلغته ويحافظ عليها حية فلا تندثر؟!

مناسبة هذا المقال، ما نشرته الصحف المحلية قبل أسابيع قليلة.

حيث عمد أولياء أمور بعض التلاميذ المواطنين والعرب، إلى وزارة التربية والتعليم، وطلبوا إعفاء أبنائهم من تعلم اللغة العربية، والتربية الإسلامية! مبدين الأسباب في هذا المطلب الغريب! وهو توجه يعمد إلى القضاء على هذه اللغة، وبتر اللسان العربي من جذوره!

فهل يتوقع المرء مواجهة مقبلة، تقودها جمعية حماية اللغة العربية؟ وما هي النتائج يا ترى؟ وضد من سوف تكون المواجهة؟ هل ضد أولياء الأمور أولئك؟ أم ضد السياسة التعليمية؟ هذا هو الميدان، وعلى جمعية حماية اللغة دور ضخم، كما لا يعفى من القيام به فرد واحد على أرض هذه الدولة.

falhudaidi@albayan.ae