الأطفال يشكلون نصف عدد أي مجتمع بشري تقريباً، والاهتمام بهذه الشريحة إضافة أنه من واجبنا كآباء، فنحن أيضاً أمام مسؤولية تاريخية لحماية هوية مجتمعاتنا، وتقاليدنا ومعتقداتنا، وإزاء ذلك فلا بد لكل واحد أن يسأل نفسه ما هو حجم الجهد والاهتمام الذي قدمناه وتقدمه الحكومات العربية لهذه الشريحة المهمة التي تشكل بنية المستقبل؟
ما هو دور وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة؟
ما هو دور البيت، والمدرسة؟
إن الاعتناء بالطفل العربي لا يشكل إلا نسبة ضئيلة أمام اهتمامنا بالعديد من الأمور الثانوية أو الشكلية، ولعل ما نصرفه على أدوات الزينة والسيارات أكثر مما نستثمره في الطفل ذاته.
يبدأ الخلل في البيت.. بانشغال الوالدين عن طفلهما وتركه بيد الخادمات الأجنبيات، ولا أريد الخوض في هذه النقطة التي أشبعت تحليلاً ودراسة، ولكنها لا تزال تتفاقم كل يوم حتى تفشت في معظم المجتمعات العربية.
وتشترك المدرسة بشكل عام في خلل آخر، ذلك أن مناهجها لا تركز على أساسيات الحاجة المجتمعية المتمثلة على الأقل باللغة الأم، حتى أصبحت العربية لغة ثانوية، يعاني الطالب منها ولا يتقنها كتابة ومحادثة ،ولا يجد في بيته ما يساعده على استذكار لغته الأم أمام انشغال أبويه عنه مع التأكيد على ضرورة تأسيس لغة أخرى.
ثم يأتي دور الإعلام المقروء، والمسموع، والمرئي الأشد فتكاً وتأثيراً.
إن الطفولة هي المرحلة الأكثر خطورة في حياة الإنسان والمجتمعات ،وفيها تترسخ قيم المجتمع وأخلاقياته، وتتشكل شخصيته، وقد ذكرت بعض الإحصائيات الخاصة بالأطفال، أن بعض الأطفال يقضون حوالي (1000) ساعة أمام التلفاز، وتساوي ضعف الساعات التي تجمعهم في صفوف الدراسة.
وهذا مؤشر خطير خاصة بعد انتشار الفضائيات المخصصة للطفل والتي تقدم بشكل عشوائي ما يتوفر لها من برامج وشخصيات وهمية، وحكايات بعيدة عن أذهاننا.
إضافة إلى ترسيخ تلك الشخصيات وتحويلها إلى استثمار تجاري متمثلة بلعب الأطفال والوسائل الأخرى، حتى أن العديد من أطفالنا لا يعرفون إلا «سبيدر مان، وجيمس بوند، وسوبر مان، وبات مان» وغيرهم كثيرون.
و أصبحت هذه الشخصيات هي مرجعيات أطفالنا وذاكرتهم، بينما أصبحت البندقية والمسدس وكاتم الصوت وسيلة لعبهم، هذا إضافة إلى جهل العديد من الأطفال بلغتهم الأم خاصة وأن هذه الشخصيات لا تتكلم إلا لغتها.
نقول :إن الطفل العربي إضافة إلى إهمالنا له، فإنه يتعرض لغسيل دماغ، سينعكس بالضرورة على مجتمعاتنا المستقبلية، التي ستفتقد الكثير من القيم والأخلاق والمبادئ التي تربينا عليها، ولا بد أن نتعاون للوقوف أمام هذا الغزو الذي يتعرض له الطفل، ابتداء من حضن الأم وانتهاء بكل تفاصيل الحياة.
وكانت دول الخليج العربية قد بدأت بخطوة أولى في هذا الإطار بإطلاق برنامجها الحيوي «افتح يا سمسم» الذي انتشر بين الأطفال، وأصبحت شخصياته هي المحببة، لكن سرعان ما قضت السياسة والأطماع العسكرية على هذا المشروع الحيوي مثلما قضت على الكثير من التطلعات والمبادرات والأماني.
ترى هل يمكننا أن نلتقي لنفكر بصوت عال للوصول إلى بعض الصيغ والمقترحات التي من شأنها أن تعين الطفل وتحميه ونوقف الغزو.
هل يمكن لدول الخليج العربي أن تعيد إحياء مشروعها خدمة للطفل بعيداً عن مكائد السياسة وصراعات الساسة؟! وأن نقدم مشاريع جديدة تخدم أطفالنا.
هل يمكن أن تتشكل مؤسسة كبيرة تتخصص بثقافة الطفل وتعمل على استكمال كل البنى التي يمكن أن توفر له ما يجده في برامج الفضائيات الأجنبية؟!
هل .. وهل .. وهل ... الخ
هل سنفكر بهم بشكل علمي بعيداً عن الأدلجة.
إنهم بالتالي أبناء هذا الوطن وهذه الأمة.