(الكل يقلع وأنا ما زلت في المطار) قالها الماغوط في قصيدة وطني؛ وهاهو قد اقلع كواحد من صعاليك العصر العمالقة، عاش يعلن عن خوفه، ويعايش فقره؛ من دون تحرج، أو توار عن الواقع.

كان يقول كلمته، ثم يمضي إلى معتزله، تاركا إياها تصدح، ويتردد صداها في الأزقة، والشوارع، والمنتديات، والبيوت، والمكتبات، ومجالس المعجبين والمبغضين.

ترجل.. أشهر من تمرد على حياته، وكره جسده، جرب السجن فتقاذفته الكوابيس. ولم لا؟! وقد كان السوط معلمه!

عشق محبو بته الأزلية؛ الحرية؛ فأبدع لها جل أعماله، ووعدها لو كانت ثلجا لنام في العراء، وهو الذي؛ ما كان لينتسب إلى أي حزب؛ لولا أن ضم أحدها؛ مدفأة؛ يلجأ إليها الشاعر الفقير أيام البرد.

الماغوط؛ ذلك الشاعر الذي مهر قصيدة النثر بريادته، وطافت أعماله الفنية والإبداعية أقطاب الوطن العربي كاملا؛ لم يتقن الكلام كما أتقن الكتابة؛ فكانت رهانه على المحبة، وجواز الدخول إلى قلوب الناس؛ أولئك الذين انتقم لآلامهم من هزائمهم المفجعة؛ عبر مقالاته، ومسلسلاته، و مسرحياته.

ترك قمصانه الملونة، وعصاه، وأصدقاءه الذين لم يخذلوه يوما؛ فعاهدهم على الوفاء.. وعاد إليهم مكتفيا بإثنين.. كرسيه ودخانه.

حين أبلغته بمنحه جائزة العويس قال:«الفرح ليس مهنتي؛ لكنه الآن أصبح مهنتي»، وجاء يتسلم جائزته، وكان شيخا في جلباب اسود، تجاوز السبعين؛ يحمل عصا؛ يتوكأ عليها، ويذب بها أحزانه وهمومه، وتحمله ضحكة طفل.

قال عن قريته السورية السلمية انها.. «طفلة تعثرت بطرف أوروبا وهي تلهو بأقراطها الفاطمية» وحين خذلته عصاه يوما؛ تعثر وهو يتقدم إلى المنصة في يوم تكريمه؛ لكنه اكتشف حين سقط؛ عمق المحبة.

كان بسيطا «كالماء»؛ في كلامه، وفي حضوره، لكنه في أدبه؛ كان لاذعا، وساخرا في نقده للأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية في البلاد. غاب صاحب «المهرج» وقد كانت السخرية لديه هي ذروة الألم.

طويت الصفحة الأخيرة من كتاب حياة الماغوط؛ وقد أغلقت «الورشة» التي افتتحها الأطباء في جسده العليل كما كان يردد.

رحم الله الماغوط «العصفور الأحدب» الذي خرج من «غرفة بملايين الجدران».

رحل عاشق الحرية مخلفا «حزن في وجه القمر» والكثير.. الكثير من الكلام في النثر، والشعر.

falhudaidi@albayan.ae