لا تزال أجواء المسرح تنفح علينا رؤاها، من خلال عروضها في حلبة التنافس السنوي، في مهرجان أيام الشارقة المسرحية، ولا تزال تظلل يوما متبقيا فيه. ولعلها مناسبة تبرر استكمال الحديث عن المسرح، وإذ وافق الاثنين السابع والعشرون من مارس الجاري الاحتفال بيومه العالمي.
اختار الكاتب المسرحي المكسيكي فيكتور هوجو راسكون باندا، (بصيص أمل) عنوانا لكلمته في مناسبة هذا العام، والى جانب ما أشار إليه في كلمته من محاور وقضايا مهمة، نتوقف عند إحدى هذه الإشارات حيث يقول ان (هناك محاولة لخلق مسرح بلاستيكي، على شكل لوحات متحركة تحل محل الكلمة).
وبهذه العبارة وما تحمله من مباشرة أو تورية، وإذا ما تحول المسرح حقا إلى دمى فعلية، تغلب فيه المؤثرات الاصطناعية والتقنية، فإن ذلك مؤشر خطير .
حيث يمعن القائمون على المسرح في سحب «الروح» منه، تلك المفعمة بالحركة، والدافعة إلى القلق المزعج، والمحرضة إلى الاستفزاز، لأنه باختصار (محادثة مع المجتمع) فكيف تتحقق هذه المحادثة طالما أحيلت الأدوار إلى دمى بلاستيكية.
وبما ان المسرح (هو الفن الأول الذي يتحدى الفراغ والظلال والسكون، ليجعل الكلمات والحركة والأضواء والحياة تندفع إلى الأمام). فكيف يتحقق الأثر إذاً؟ وكيف يأمل المرء في مسرح نهضوي توعوي؟
إذا ما طغت المؤثرات المادية الباردة، على الأداء الطبيعي الحيوي، في الوقت الذي لايزال بصيص أمل لدى المتفائلين بأهمية المسرح وضرورة ترسيخه وتعميمه سعيا للأثر المنتظر.
لا تزال ذاكرة المرء طازجة باهتمام التربويين للمسرح المدرسي وعروضه المنتخبة الهادفة، على الرغم من بواكيرها الغضة في ذلك الحين، لكنها كانت تنبئ بما يبشر بتوجه حقيقي وجيد لحركة مسرحية، وكان الاهتمام حقيقيا مخلصا، لكن لمَ لمْ يكتب لها النهوض المرجو؟
لعل الإجابة لدى التربويين المتعاقبين! إنما وقد حمل عدد من المهتمين مسؤولية هذه الحركة على عواتقهم، فهم اليوم مساءلون عن مدى تحويل الوضوح إلى ضبابية.
وعن مدى تفريغ المسرح من ثرائه الإبداعي، وعن مدى اعتمادهم على الإكسسوارات، أو الديكورات والمؤثرات الإيمائية والإيحائية، وتقليص العنصر البشري ما لم يتبع العمل شروط أي من المدارس المختلفة. مساءلون عن تسطيح معالجاتهم، أو مبالغاتهم، وتعسير اكتشافات المتلقي.
المرء بحاجة إلى مسرح حي، قريب منه، يعبر عنه، ويجادله.. يتأثر به.. يحركه ويحرضه، يستفزه وينقلب عليه! متى يتحقق للمسرح ما هو مناط به؟ ومتى يتلمس الواقع، ويحادث عناصره.. يخاطب أفراد المجتمع؟!