من المؤكد أن المساحة المخصصة في هذا العمود ؛ لن تكفي لتناول العرض المسرحي «قوم عنتر»؛ لفرقة المسرح الحديث؛ الذي حظي باليوم الأول من أيام الشارقة المسرحية؛ كما لن تكفي مطلقا للحديث عن الحركة المسرحية في الدولة.

لقد أثارت مسرحية «قوم عنتر» الكثير من الإشكاليات والمداخلات والتعليقات من جمهور الحضور؛ العادي والمهتم على حد سواء؛ إلا أن الأخير كان له قصب السبق ونصيب الأسد بطبيعة الحال من التساؤلات. ولا نستثني أنفسنا من التأثر الذي خلفته مشاهدة هذا العرض الذي شكُل منذ البداية على استيعاب الجمهور، وانتقده الأكاديميون.

وما إذا كان نصه مؤلفا أو معدا أو مقتبسا، وهو الأمر الذي حسمه إسماعيل عبدالله في رده أثناء الندوة التطبيقية المصاحبة؛ بعدما وقع ـ حسب رده ـ في حيرة بين المصطلحات الثلاثة؛ حتى وجد؛ أن التأليف هو المسمى الأنسب؛ فوضعه قبل اسمه.

أما بالنسبة للعمل ككل؛ وما قرأه المرء من دلالات، وما استطاع أن يوصله للمتلقي؛ المخرج محمود أبو العباس، وما لم يهتم بإيصاله؛ فانه يحتاج إلى أكثر من مقالة. لقد كانت فكرة العمل جيدة ومهمة؛ لكن هناك صعوبة واضحة؛ أدت إلى خلل في الإرسال، ولذلك أسباب عدة.

لا يدعي المرء عميق خبرة في مجال المسرح؛ لكن المتابعة والاهتمام المخلص، لاشك بأنهما يؤديان إلى شيء من الوعي لقراءة عمل مسرحي بأهمية ما تضمنه قوم عنتر.

لقد وفق المخرج في إسناد الأدوار إلى أهم ممثلي الإمارات المحترفين، بالإضافة إلى العنصر النسائي من عُمان التي لا تقل براعة عمن سبقوها في هذا المجال. إنما إلى أي مدى نجح المخرج في إدارة أبطاله؟

ولم ذهبت البطولة المطلقة «للسينوجرافيا» أي للكرتون؟ لقد اعتمد المخرج أبو العباس نمط المسرح الحديث، أو مسرح العبث، وقد وفق في استخدام هذه المفردة اللافتة؛ إنما؛ هل أحسن توظيفها؟ وماذا لو قدم العمل كمنودراما؟ أما كان ذلك أجدر؟

ولكانت الرسالة وصلت بشكل أعمق. إن المعالجة بالطريقة التي تمت لهذا العمل؛ على أهمية موضوعه؛ شابها الغموض، والإطالة في الجزء الأول من العرض، إلى جانب المغالاة في استخدام مفردة الكرتون وحدها؛ مما جلب للمتلقي شعورا بفراغ خشبة المسرح؛ الأمر الذي ينم عن خلل في ضبط المسافات بين الممثلين.

أو ما يسمى بلغة المسرح الـ «ميزانسين» كل ذلك أدى إلى صعوبة في فهم مضمون الرسالة، وهنا يطرح سؤال هل بإمكان طلاب الجامعات على سبيل المثال، وشريحة المجتمع العادي؛ الذي يجب أن تتوجه إليه ولابد أن يقرأ محتواها من فهمها؟.

خاصة أن هناك عوامل أخرى أسهمت في غموض الرسالة، وقد نعود إليها في مقالة لاحقة. لقد وفق المخرج إلى حد ما في إبلاغنا بهشاشة مجتمع الكرتون؛ رغم طغيانه أخيرا، وشهدنا تلاشي العنصر البشري بعدما ابتلعته طاحونة اللهاث خلف صناعة بسيطة اكتفى بها في النهاية؛ بل وحرص عليها كمصدر رزق بلا خيار آخر.

فهل كان الكرتون دلالة لمهنة فئة من الوافدين طغت أعدادهم على عدد السكان الأصليين؟ وهل هي دلالة على أن السكان الأصليين سوف يمتهنون صناعة الكرتون مستقبلا؟

وهل يستشرف العمل بأن هذا الوافد سوف يكون القائد المستبد لهذا المجتمع؟ أما شخصية ساعي البريد، والتي أبقاها المخرج كما جاءت في النص الأصلي «العائلة توت»؛ فهل قصد بها وسائل الاتصال الحديثة، وما تجلبه من مخاطر بسبب المحتوى المغلوط والمشوه والمسطح الذي يصدر إلى المجتمعات؟ وما تؤول إليه من نتائج وخيمة بعد ذلك؟ أم أنه لم يقصد ذلك؟ فتركنا نتصور أنه الجانب الذي لم يوله الاهتمام اللازم.

falhudaidi@albayan.ae