أحياناً تشعر وأنت في زحمة الحياة أنك بحاجة للذهاب مباشرة للصفاء والهدوء. تذهب بعيداً عن المدينة حتى تشتاق إليها وتقول سأذهب للصحراء راغباً في التزود من الصمت، سأداوي ضجيج المدينة بالسكنية والهدوء، سأترك عينّي تغوصان في الرمل.

في آخر حبة، يلتقطها بصري. سأعول على الصحراء في راحتي ومتعتي، ستكون آخر حبة رمل رأتها عيناي من نصيبي وقسمتي، وسأعود بها للمدينة حتى تصبح حكاياتي المستقبلية .

وتنسج حكايات الصحراء الخالدة، سأتحدث معها كشخصين اليفين فرحين نتناجى ونتسامر ونسعد ونتصادق. ستكون الدهشة الكبيرة باتساع العين. خاصة أن الصحراء مليئة بالأحاجي والأسرار وشاسعة إلى أبعد الحدود. مدوا أبصاركم وشاهدوا الرمال، مددت بصري إلى أبعد نقطة فارتاحت .

وسكنت وتاهت من النظر ومن سفر البصر. هذه أول العطايا قالت الصحراء اترك عينيك تلهوان وتسافران. أغمضهما وأفتحهما، وستعود إلى مدينتك بعين الاشتياق والرضا. شكرتها ومسحت على ترابها بمودة وقررت الدخول فيها.

شاهدت وجوه صبيان يلعبون ويلهون بالرمل، أطفال بعمر الزهور يكتشفون الرمل مرة أخرى وكأنهم يكتشفون أنفسهم وكأنهم يعيدون صياغة المكان، هل هو حنين للماضي، الإجابة عندهم أن الرمل لعبة لا بأس بها جميلة شغلت بال الأطفال كثيراً وشغلت الكبار أيضاً رمال الصحراء الجميلة لوحة ابتدعها الخالق بامتياز.

أول ما يلفت انتباهك لون التراب وكأنه حلوى فاللون لا يبقى على حاله أبداً كلما مشيت يتغير اللون ويزداد احمراراً وتزداد تعجباً وفرحاً. يتغير مزاجك بتدرج الألوان، مرة فاتح ومرة غامق ومرة بين بين، تراها كثيراً على راحة العين وعلى الصحراء، تسافر لها كي تعرفها أكثر.

تقترب تشعر أنك لا تعرف شيئاً، بعد هذه الوجبة الصحراوية قررت العودة للمدينة بعدما اعتقدت أني عرفت الكثير عنها، لكنها همست في أذني وقالت اسمع هذه الحكاية أمير أوروبي حديث العهد بالإمارة صنع في بلدته متاهة عظيمة من يدخلها لا يخرج إلا منهك القوى تعباً.

قيل له في الباب أمير عربي، قال سنجرب اللعبة عليه، وضحك، دخل الأمير العربي المتاهة صباحاً ولم يخرج إلا في منتصف الليل، خرج متعباً يشعر بالإهانة والتجريح. استقبله الأمير الأوروبي وحياه وأفسح له المكان، وسأله عن متاهته. ضحك الأمير العربي .

وقال له متاهتك جميلة لكنها ضيقة ومحدودة، سأريك متاهتي بعد حين، غادر الأمير العربي إلى بلاده وجهز جيشاً كبيراً وغار على مدينة الأمير الأوروبي وأسره وأخذه إلى الصحراء. نزل عن حصانه وأعطاه أياه وقال له هذا أسرع حصان، خذه فهو لك، وهذه هي متاهتي «مشيراً للصحراء» انت حر.

بسرعة ركب الأمير الأوروبي الحصان وركض وركض عله يهرب، لكن لا فائدة فمصيره، الرمل تاه في الصحراء وضاع وإلى اليوم يتندرون بحكايته في أوروبا والعالم. سمعت الحكاية ومسحت على ترابها بمودة وغادرت متجهاً للمدينة، راحلتي، قدماي وبعض المعرفة.