فتح ملتقى الشعر الخامس في الشارقة أبواباً عديدة؛ للخروج منها إلى فضاءات مكثفة من الاهتمام بالشعر بدءاً من الحرف الوليد فيه. ومع هذه الاحتفالية بهذا الفن الشفيف تتداعى الأسئلة، إذا ما بقي للشعر قلقه الاسر، وطموحه الجميل، ومغامراته المحاطة بالرهبة والريبة، ومضامينه العامة والهامة؛ المرتبطة بحرية الأمة وكرامتها؟
إلى جانب ما تتناوله الطروحات حول إمكانية صمود الشعر، وحفاظه على مكانته، أو مشاهدة تقهقره وتقوقعه؟! وإذ يتصور المرء مزاحمة النثر للشعر في هذه المرحلة؛ فإنه يتصور أيضا بأن الشعر فقد مناعته الروحية والفكرية والوجدانية؛ تاركا البساط للنثر؛ وربما للرواية على وجه الخصوص؛ لكن المتفائلين يشددون ويؤكدون بأن الشعر يعبر منطقة كسوف ليس إلا.
ومن ثم لابد ان تنحسر. وتبقى مقومات الكتابة الأساسية هاجس المرتابين؛ إذا غاب عن المرء سر اللغة وسلامة العبارة وبناء الجملة المفيدة، وهو ما يلمسه المتابع في نصوص التجارب الجديدة؛ ناهيك عن شيوع كتابة الشعر باللغة الانجليزية خاصة أصحاب الأقلام الشابة، وهذه في حد ذاتها قضية كبيرة قد لا تدرك أبعادها في الحين.
عدد ليس قليلاً من المختصين يعيدون ذلك إلى الخلل البنيوي في المناهج التربوية، وآخرون يرجعونه إلى بؤس الثقافة العربية ومقاطعة التراث. ولعل الانتشار الواسع لكثير من كتاب النصوص يدلل على الاستسهال في عملية الكتابة بصرف النظر عن جودة أو رداءة العمل.
إلا ان معظم؛ ان لم يكن كل ما يُكتب يخلو من قضية محددة؛ لكنه يشف عن أفكار مشوشة؛ فتجد النص عبارة عن تسليات عابرة، أو ثرثرات جوفاء تخلو من المتعة. ويستمر تساؤل البعض.. هل ينحسر الشعر من الحياة العربية فعلا؟
أم أنه قد انحسر من نفوس الشعراء أنفسهم؟ وما هي القضايا التي تتبناها الأجيال القادمة؟ وكيف يمكن أن تصاغ في ظل غياب الفعل الحضاري للأمة الذي امتد الحديث فيه لعقود طويلة؟!
وخلال العقود القليلة الماضية كانت «قضية المرأة هي التي أطلقت شهرة نزار قباني، وقضية فلسطين جعلت محمود درويش يمتد على اتساع العالم»، أما أدونيس فقد انشغل بقضية الحداثة وجعلها مهمته.
لاشك أن قضايا المرحلة أكثر شمولية، وأكثر أهمية وخطورة، وان مجالات طرحها أكثر اتساعا، وأسرع انتشارا؛ إنما يبقى حسن اختيار الساحة المناسبة ضرورة، كما يبقى الفيصل الأكثر حساسية؛ هو المحتوى، وكيفية صياغته صياغة سليمة من علل الاجترار، والتكرار. فهل يأمل المرء بمحتوى شامخ بالتحدي، متجدد بالأمل؟!
وكيف يتوقع ذلك في الوقت الذي تجود القرائح الغضة، وهي تجول عبر المواقع من خلال حوار لا يمثل هويتها؟ بينما يعلن المتفائلون بأنها سوف تنجح في التعبير عن ثقافتها لتتواصل مع الآخر! فهل ثمة آخر يود الاستماع والاستيعاب؟! وهو لا يزال مغلقا مسامعه الصماء؟!