هل يمكن للمرء أن يتصور حدوث قطيعة للعلاقة القائمة بين المثقف والمؤسسة، وهي التي تتبنى شؤونه وقضاياه ومشروعاته؟ ثم لا يتصور أن في الجعبة ما فيها؟
قطيعة اتسعت دائرتها، وما زالت تتفاقم حتى غدا شكلها فاقعاً، وحضورها صارخاً. حالة؛ لا تكف عن إثارة العديد من الأسئلة؛ مرة بسبب الفضول، ومرة بسبب الغيض، ومرة قد تكون محاولة للتقريب بين وجهات النظر؛ غالبا ما تتعثر.
لاشك أنه موقف مشروع؛ لكن لمَ هي في مجتمعنا، وفي الوسط الثقافي تحديدا؛ تأخذ أكثر مما يجب من الجدال العقيم، ومن البعد في اتجاه معاكس، ومن ثم الهروب؟ لمَ لمْ يتم العثور - حتى الآن - على الحلقة المفقودة بين المؤسسة ومنتسبيها من الأعضاء؟ لم أصبح العقوق متبادَلاً، والحوار مفقوداً؟!
يتبع المخلصون خيوط مبررات هذه الإشكالية؛ لعلهم يحيكون نسيجا للوصل من جديد؛ أو لعلهم يساهمون بوضع حجر في جسر العبور بين الجهتين مرة أخرى.
والخيط المقطوع لدى كل من الطرفين المتنافرين؛ يبدأ بالتراشق بالاتهامات، وإطلاق الملاحظات؛ حينا من بعد، وحينا بصوت هامس تعقبه عبارة (ليس للنشر؛ وليس عن لساني)؛ وأحيانا الاقتساط في التعبير عن الموقف المغلّف بالتحفظ.
وهم بذلك أول من يضرب عرض الحائط بالشرط الأساس الذي تعتمده المؤسسة والمثقف معا؛ كرسالة ويتبنيانه كمشروع؛ ألا وهو الحوار الصريح، والمواجه الموضوعية.
لكن أيا من هؤلاء لا يقوم بها، وكلما بحث المرء عن العلة وجد المبررات بـ «الكيلوات» لدى الطرفين؛ لكن هل باح كل منهم بما يضمره في صدره تجاه الآخر على بساط من الجد، والمباشرة؟ وهل أبدى كل منهم مقترحات النهوض بالمؤسسة وبالواقع الثقافي؛ بعيدا عن المشاحنات الفردية والشخصانية؟!
إنما الانكى من ذلك؛ ما يقوم به عدد ليس قليل من المبدعين؛ حين يكيلون للمؤسسة جملة من الاتهامات، والمغالطات التي ارتُكبت وما زالت تُرتَكب في حق الفرد والمؤسسة؛ مما يؤدي إلى تراجع موقفها، وطمس هويتها، وبالتالي فشل أهدافها؛ لكن يعود واحدهم ويهمس.
. (ذلك هو رأيي أعلنوه؛ لكن لا تنسبوه لي) وكأنها الكلمة المحرمة! قلة قليلة تلك التي تجاهر بموقفها بصراحة، وتعلنه بشجاعة؛ قد تبقى على استعداد للمواجهة، وقد تمضي؛ على أساس «قل كلمتك وامض».
فمتى يفصح من يفترض أنهم حملة «لواء التنوير» عن أسبابهم، ومتى تنطلق دفاعاتهم في البعد التنموي الثقافي؛ الذي غدا في وضع لايحسد عليه. وإن نجحت الأطراف في إخفاء الحالة في الداخل زمنا؛ فهي اليوم انكشفت على الملأ ولعله المبرر القاهر للمبادرة ببتر العلة، وعلاج الوضع الذي استفحل؛ حتى طفح.
falhudaidi@albayan.ae