تناقلت الصحف قبل أيام قليلة ردود أفعال مثقفي مصر الرافضة والمنتقدة اشتراط أديب نوبل نجيب محفوظ؛ موافقة الأزهر؛ قبل نشر روايته «أولاد حارتنا» في كتاب في مصر. والرواية التي سبق منعها في مصر قبل 47 عاما لم تتأثر بهذا المنع، ولم يتوقف نشرها مسلسلة في صحيفة «الأهرام» حينها؛ ثم طبعت بعد ذلك مباشرة في بيروت؛ فدخلت معظم البيوت العربية على الرحب والسعة.

لكن كاتبنا المعروف بدأت مشاعر الرغبة في رد الاعتبار لديه تتحرض بعد طول كمون على ما يبدو؛ فقام بفتح الملف القديم بمفتاحين، أو بشرطين؛ الأول موافقة الأزهر، والذي اعتبره المثقفون سابقة خطيرة يزكيها الأديب العالمي بموقفه؛ مما يعطي المؤسسة الدينية حق الرقابة على الإبداع مستقبلاً، وهو أمر يخالف موقف المثقفين؛ خاصة أن لائحة الأزهر لا تقوم بالمصادرة أو الموافقة على منتج أدبي (إلا بناء على طلب من جهة ما).

والشرط الثاني أن يقوم بكتابة مقدمة للرواية احد المقربين من جماعة الإخوان المسلمين، ولعله يطمع بكتابتها من قبل احد عناصر الجماعة. يبدو من هذين الشرطين بأن أديبنا المخضرم يحاول ممارسة حق؛ قد يعتبر التقادم أسقطه؛ أو ليس الترفع عن الرجوع إليه فضيلة؟! أم أنها نرجسية المبدع؛ هي التي لا تتقادم فهل استسلم صاحب أولاد حارتنا لنرجسيته؟!

لا يمكن للمرء أن يتصور بأن أديبنا العالمي قد غفل عن نتائج هذا التوجه، وبأنه في الوقت الذي يسعى لتحقيق إشباع معنوي شخصي؛ يدع أو يساهم بتكبيل أجيال ـ حاضراً ومستقبلاً بقيود ناضلت أجيال من قبل لتجنبها، وبأنه يخضعها لسلطة الرقابة على الإبداع من غير وجه حق.

فهل تراها مشاعر الانتقام والرغبة في استرداد الاعتبار بعدما تعرض لمحاولة اغتيال قبل سنوات على أيدي متطرفين إسلاميين؟! لم يعير كاتبنا الكبير ذلك الأمر البعيد كثير اهتمام اليوم ؟! وقد من عليه الله بشهرة أوصلته العالمية، خاصة وحسب مجايليه وأصدقائه لم يكن صاحب موقف أو نشاط عام يساند الحرية العامة أو الإبداعية. محفوظ الذي تكرمه دار الهلال بطباعة روايته احتفاءً بالعام الرابع والتسعين لميلاده أمد الله في عمره ومتعه بالعافية.

لم ينظر إلى الخلف.. إلى الطريق الطويل؟! ألم ترددوا على تلاميذكم بأن الطعن في الخلف يعني أنكم في المقدمة؟ وأن ركل المؤخرة يدفع للإمام؟! ألا يمكن اعتبارها ركلة لم تدفع للأمام فحسب وإنما إلى العالمية! نجيبنا محفوظ؛ كل عمر وأنت أديب معافى.

falhudaidi@albayan.ae