إشراقات

ركلوا المثقف

ظل الشعر العربي قروناً متمسكاً بمركز الصدارة أمام أشكال الأدب كافة، فاستحق أن يكون ديوان العرب؛ لقدرته على التعبير الموجز العميق، وحريته في التنقل بين الموضوعات كافة؛ متمتعا بكم من الشجاعة ومساحة من الحرية؛ فلم يواجه التجريم.

ولم يفرض عليه الحجر إلا في ما ندر. لكن الشعر بعدما دخلت عليه محاولات التجريب المتأثرة بالأساليب الغربية بدأ يفقد مكانته، ويصيبه شيء من الضعف في قدرته على التعبير عن الواقع، وبدأ جنس أدبي آخر يزاحمه على المكانة؛ فظهرت الرواية لتنافس ذلك الديوان الأدبي التاريخي، وتسحب بساط الصدارة عنه.

لكن الرواية في عالمنا العربي عامة، والخليج خاصة تسير وئيدة، تحاول خط طريقها وسط معمعة التعريفات والتصنيفات، التي ظلت بلا اتفاق على رأي محدد حولها؛ يمكن اعتماده؛ إلا أن الكثيرين يرون أن أصلها غربي، وتنسب الريادة لهم لكون الرواية ابنة المدينة، وباعتبارها ملحمة برجوازية!

يؤكد د. علي شلش بأن (ظهور الرواية في الأدب العربي الحديث لم يشكل صدمة اجتماعية أو ثقافية، وذلك لان هذه المجتمعات كان لديها رصيد شعبي من الحكايات والقصص والسير؛ أتاحت له المطبعة فرصة غير مسبوقة للحفظ والانتشار).

فلم إذن تستمر النظرة إلى أن هذا القسم من الجغرافيا يفتقر للعوامل الأدبية والثقافية؟ والى متى يظل الاعتقاد بأن هذه المنطقة لم تكن تمتلك مواداً للإبداع؟

وان مكوناتها الثقافية مستمدة ومقتبسة من التراث الثقافي الغربي؟ وهو الانطباع الذي بدأ يترسخ في ذهنيات الأجيال؛ وكأن هذه الأمة جاءت من فراغ، وبأنها بلا تراث ولا قيم!

لا شك بأن الحقوق المتاحة للفرد في المجتمعات الغربية؛ ساهمت في انطلاقه، ومنها حقه الإنساني في التفكير والتعبير، ووجود من يتضامن معه، مشكلين مجموعة ذات ثقل في التعبير والتأثير؛ أدت إلى انتشاره وانتشار أعماله الأدبية والإبداعية.

يعترف الروائي الهنغاري بيتر استيرهاثي انه قرأ لشيسلاو ميلوش بالألمانية حول الفرق بين مثقف غربي ومثقف شرقي (بالنسبة للأول فقد منحوه ركلة حقيقية في المؤخرة على العكس من الآخر) ويقصد ثقافة شرق أوروبا.

يغبط المرء ذاته على أن التوجه للأدب والإبداع في مجتمعاتنا لم يكن نتيجة الركل من الخلف كعقاب؛ على الرغم من جدوى هذه الركلة.

وهي بصيغة أخرى؛ تتجلى باهتمام وتشجيع المؤسسة الرسمية على الإخلاص للإبداع والأدب في مجتمعاتنا من خلال المنشآت الثقافية العديدة، وكم المؤتمرات التي تناقش قضايا الثقافة. وتبقى الملاحظة حول ما قامت.. وتقوم به هذه المؤتمرات!

falhudaidi@albayan.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات