طير شامي حل في سمره
يوم طار شل السمر كله
عق لي وسط البحر جمرة
واحترق ذاك البحر كله
كيف استطاع شاعر كالخضر أن يحرق بحراً بأكمله دون أن يخطئه برعشة العاشق وأي جمرة تلك التي ترمي بحممها تصيب فتدمي إلا جمرة العشق والملتهبة بأنفاس العاشقين لا يطفئها بحر ولا تهزها ريح لا قانون التضاد ولا قانون التجاذب والتنافر ولا المنطق أمام مخيلة الشاعر وفتوحاته الشعرية وألفاظه السهلة والسهولة عند الخضر وعند الشعراء الكبار سهولة العارف والمتيقن على قدر أهل العزم تأتي العزائم.
والخضر يوصف دائماً بالشاعر العميق الغزير هذا العمق يألفه منذ طفولته جنب البحر يسبح فيه ويصطاد من داناته اللغوية ما يشاء ويصادق المحار في أسفاره بحثاً عن الماء العذب وبحثاً عن الخلود احتشدت الكلمات في فمه منذ سنين كحال أي شاعر كبير تنتظر دورها حتى تجري على لسانه مجرى الماء في النهر لا متعثراً ولا مترددا وكأنها تلحظه بعين اليقين وإنها ما احتشدت إلا لتخرج صافية تحمل أطناناً من الشعر الكثيف الخالص.
تهنا في هواكم وامتحنا
يا لخرد البيض البيابي
نقرا لكم إنا فتحنا
وتقرون لنا تبت يدا ابي
لكن لكل شاعر خصوصيته وبيئته لا تنس أن البحر بسحره رطب لغته وشعره وأعطاه موسيقى محببة وشعبية وصوراً شفافة تليق بشاعريته يأتيه الشعر عفويا وتلقائيا لكن هذه العفوية وراءها ما وراءها إتكئ في تجربته الشعرية على عيون الشعر العربي واحسب إنه إتكيء في تجربته الشعرية على عيون الشعر العربي وأحسب إنه
قرأ المتنبي وأبو نواس والكثير الكثير من الشعراء
قرأ القرآن بعمق وفهم وكتب شعرا بهذا التأثير وله قصائد مشهورة يقول في إحداها:
حلم الملك ما غاب عني
سبع سمان وسبع عجاف
السنبلات الهيف يني
ماريت مخضرات الأطراف
والسنبلات عند الخضر ترقص وتهتز كصورة وليس معنى السنبلات غير السنابل في اللغة العربية الألف أعطاها هيبة، أما السنبلات فهي بالعامية حتى تتميز وتختلف.
الخضر لعب بالعامية الجميلة وباللغة العربية الفصيحة يقول..
خد لج خدك اللي كالسفرجل
سفر بدر وسفر شمس وسفرجل
تفضل بنعبر عبره سهالة
بليل بالغلس قبل السفرجل
وفاكهة السفرجل فاكهة غير معروفة في منطقة الخليج العربي لكن بالله عليكم هل هناك لون غير السفرجل يعطي نضارة الخد وبريقه ولمعانه ومصحوباً بنور البدر ونور الشمس ونور الحبيب ثلاثة أنوار لمعت على خده وتلألأت.
أي خد أسيل هذا تجمع فيه الحسن حتى فاض.. يتداعى له السفر ويسافر للبحرين كرهاً لابطل.. قدر للشاعر ان يسافر ويغترب وهناك في مجلس عريق يعج بالشعراء والأدباء الفطاحل يهان الخضر في شاعريته وهي كل ما يملك يهان فيقف ويعلن التحدي.
«أبدا وإلا تبدون»!!
أي من يبدأ في الانشاد وهذه ثقة بالنفس ما بعدها ثقة تحسب في تجربة وإلا كيف يصارع ويبارز من لا يعرف قوته وصولته وجولته لكنه يعرف نفسه سلاحه الهمة ولسانه البيان قام الخضر وقال:
إن قمت قام الهوى واهتز لي طربا
وإن جلست فأني سيد الشعراء
صدمة ما بعدها صدمة ألجمت المجلس وافسحت للخضر ان ينشد ما يرغب وهنا ناشدوه ان يجلس وان يتصدر الجلسة رغم ما قاله ورغم إنه إهدار لشاعريتهم ورغم ورغم..
رمى بسهام الشعر الحارقة فأكلت الأخضر واليابس.. ألا نستحضر في هذه الحادثة حادثة المتنبي في مجلس سيف الدولة وعندما قال:
سيعلم الجمع فيمن ضم مجلسنا
بأنني خير من تسعى به قدم
أي أنه أعظم شاعر يمشي على قدمين في هذه الأرض وبعد سنوات يقول الخضر وينسب إمارة الشعر لنفسه أمام العذال والحساد وفي ظرف استثنائي سببه الغربة والمعاناة.
لكن ما قاله غزلا يفوق الوصف:
يوم تبغي ييت بجماري
ويوم ما تبغي تعايوبك
لك على قلبي نهر جاري
يوم تذنب يمحي ذنوبك
الشاعر الخضر على قلبه نهر جار ماء عذب كالزلال مسخر للحبيب في إنتظاره أن يخطيء حتى يغسله ويغسل ذنوبه والشاعر في داخله أنهراً لكن لهذا الحبيب أن يختار ما يشاء وخاصة القريبة من سويداء القلب لأن القلب ينبض بالمشاعر والأحاسيس واللوعات نفخر كثيرا بهذا الشاعر ونتمنى ان يكرم ويعرف أكثر ويحتفل فيه خاصة بمرور 100 عام على مولده.
يستحق الخضر كل هذا وتستحق الإمارات إنها أنجبت شاعراً كبيراً وسهلاً ممتنعاً وأختم ببيت شعر من أمير شعره حسب ما أعتقد:
كنك نصخ روحي وكني
رد النصخ أولاف أولاف