عوشة الشاعر أو عوشة بنت خليفة السويدي أو «فتاة العرب»، واللقب الأخير أطلقه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع تكريماً لها ولمكانتها الشعرية. اسم يليق بصاحبه، فالصبا والشباب والعروبة في شخص واحد ولسان واحد عربي أصيل.

كتبت الشعر مبكراً وأرسلت المعاني جزيلة فخمة مصحوبة بالحكمة والنضج، أثبتت شاعريتها في شطر بيت:

كل غرض في الوقت ملحوق .. إلا وصول الصاحب اشفاق

انقادت لها اللغة فأرسلت بيانها البديع وشدت، تنشد تارة وترسل حكمة تارة أخرى، لم تغلب الحكمة على الشعر إنما أعطتها عمقاً وفكراً فجاء الشعر مرسلاً وجاءت الحكمة بليغة.

في يوم من الأيام حلمت هذه الطفلة حلماً أيقظ حواسها وأطلق لسانها، حلمت أن القمر في حضرتها، وأنه «بشحمه ولحمه» متربع على أرنبة أنفها ففتحت فمها وبلعته هكذا، بكل سهولة بلعت القمر وليس بسهولة أن تبلع القمر «أن تحلم حلماً مشابهاً كهذا»، وكأنها نبوءة بمولد شاعرة كبيرة، فأين نحن والقمر حبيب العشاق ومنهم الشعراء وكأن عوشة الشاعرة لا تحتاج إلى إلهام، فالقمر بحضرتها وهو مخبأ بصندوق الأسرار داخلها ولا يملك مفتاح هذا الصندوق إلا لسان الشاعرة الفصيح.

بلعت القمر فكتبت الشعر. والبلع دليل قوة وتمكن لا دليل ضعف، بلعته وأخفته عن الأعين والشعراء، والعشاق في حيرة يبحثون عنه ولا يجدونه، سألوها مرة عنه فقالت: ألم تقرأوا شعري؟ حلم نادر أن يحدث أن تبلع القمر وقد يجرؤ شاعر في حلمه أن يبلع الشمس لكنها بالتأكيد ستحرقه، وفي الذاكرة الشعبية القمر مرتبط بالشعر والحب والأسرار، وتشبيهات العرب كثيرة وغنية حتى أكثروا في مدحه وتشبيه الحبيب به. تقول فتاة العرب في الغزليات وهذه القصيدة من التحف النادرة تقول:

يا شوق هزينه هوى الشوق .. هزيز غصن تاح الاوراق

كل غرضٍ في الوقت ملحوق .. إلا وصول الصاحب اشفاق

قلبي لخزن الحب صندوق .. سيدي او فتح اقفوله اغلاق

عن الثريا منزله فوق .. ومن الشرف في سبع لاطباق

وتقول في قصيدة أخرى وهذه القصيدة من الروائع التي جادت بها قريحتها حتى فاضت وكأنها نبوءة لفظية ان جاز التعبير:

احوري اللون في طرفه حور .. سمهري القد فتان غيور

لي دعا روحي وقلبي في ضجر .. من وداده في تقرب في نفور

والمحبة ما تجوز بلا قهر .. تمشي الضيجات فيها والسرور

إن صفت لك لو اسبوع في الشهر .. لازم تشويك في الحرة اشهور

يا نديبي صوبهم ود الخبر .. لا يهمك قول واش ومعثور

قل لهم يا سيد ما نصبر عشر .. كيف أنا واليوم مرت بي اعشور

هذا غيض من فيض ولعلها لا تنسى تلك الليلة الباردة عندما كان القمر يرسل ضوءه خافتاً مستأنساً بها:

أمثالكم في واسع الشعر ميدان .. مثل الصحارى في فيافي رغدها

مثل الجواهر صافيات بالالوان .. ومن جد في نظم المثايل وجدها

هذا رأي الشيخ محمد بن راشد في فتاة العرب.