إشراقات

غواية المقاهي

كانت هي؛ تستاء كلما جاء المساء، وتبدأ بابتكار وسائل من مجملات المساءات؛ لعلها تفلح في استبقاء رجل البيت بقربها ليلة من الليالي المخصصة للمقهى. وكل مرة تفشل في محاولتها؛ فتدب الخلافات بينهما كالعادة؛ أمام الأسئلة نفسها..

ما الذي يجذبك في المقهى إلى هذه الدرجة؟ لماذا تفضل جلسته على البقاء معي، والخروج بمعيتي؟ لماذا لا يتسرب إليك الملل من الوجوه نفسها التي تجالسها، كما مللت من وجوهنا؟

لكنه ولا مرة أجاب عن أسئلتها الحائرة، ولا مرة قلص من حيرتها؛ التي تفاقمت، وأشعلت فتيل الغيرة الذي أفسد العلاقة، ووضع ختم المغادرة لكل منهما إلى اتجاهين مختلفين، وبلا عودة. لكنها ظلت تتساءل، وبرغبة شديدة أن تعرف سر الارتباط بالمقهى؛ وهو الأمر الذي كلفها فقد رجلها الحبيب؛ ذلك الذي لم يفصح قط عن سر الجاذبية تلك.

على استحياء قررت أن تكون من رواد المقاهي، ومن التجربة الأولى شدت وثاقها، ومع الوقت كانت من زبائنها الدائمين. خصصت للمقهى أياما محددة لا تتنازل عن استبدالها إلا في أشد الظروف، وكلما كان المقهى بعيدا عن الحي المعتاد كان المفضل بالنسبة لها، وكلما كان جديدا أيضا كان محببا.

بعد ذلك استقرت على مقهى بعينه لا تغيره، واختارت لها مكانا حفظه رواد المقهى كما حفظه النادل؛ تطل على العابرين من خلاله، وتتلصص على خلجاتهم المخبوءة، وهم لا يدرون. فهل أدركت السر إذن؟ وهل أعذرت صاحبها فيما ذهب إليه من قبلها؟

تعترف بأنها اكتشفت سر الغرام بالمقاهي المفتوحة؛ لكنها لن تتمكن من الاستمتاع به كما فعل هو. والسبب أنه يمتلك عينا جريئة فاحصة لا تمتلكها هي، وأن لديه قدرة في تصفح ما هو مكتوب في وجوه الناس من دون أن يهتز له طرف، ومشاهدة ما هو مرسوم على وجوه المارين أمامه بلا تردد أو حرج؛ يقرأ في وجوهم «نظرة النعيم» أو نظرة الشقاء والسقم. يستكشف عالما من التعبيرات، وعالما من الكينونات.

ويحصي في كل ليلة كما من الحكايات المتجددة، والمعاني التي عبرت من أمام عدسته البيولوجية؛ يلتقط بها مواده الخام.. من وجوه بعضها مثقل، وبعضها متخفف، لكن جميعها ملونة بالجمال وشاردة؛ تستحق المشاهدة وإمعان النظر.

وتعترف بأن تلك القدرة لا تتوفر لديها وإن توارت خلف النظارة السوداء؛ وإن حملت دفترا وقلما تختبئ وراءهما، وتملأهما بوجوه الرواد والعابرين على المقهى؛ لكنها بصدد اكتساب خصائصها؛ لعلها تدون عملا روائيا؛ يضاف إلى الإبداع كما تدعي؛ ويحمل إدانة لرجل لم يبح يوما بسره لها، وحسبها.. قد تكون إدانة مبررة!.

falhudaidi@albayan.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات