راجت على مستوى الجغرافيا العربية مقولة »الثقافة لا تطعم خبزاً« حتى ألفها الناس، وأصبحت شعاراً ممتداً ومسلماً به، وذلك بتضافر الواقع وتعاونه على تعزيز هذا المبدأ في كل الأقطار الناطقة بالضاد تقريباً وبلا استثناء.

لذلك فإن الفقر لا يتجلى كما يفعل في محيط المثقفين، وممتهني الحرف ومروجي الكتاب في أغلب الأحيان. لكن ذلك لم يثن إحدى بنات »حواء« عن المغامرة باتباع سبيل الثقافة؛ والسعي إلى ترويج الكتاب في بيئة عرف بأنها لاتضع القراءة في أولويات اهتمامها وفروضها.

وذلك بافتتاح دار نشر وتوزيع خاصة بها. وقد قامت بذلك في أسوأ الظروف حيث كاد الحظ العاثر يطوق مشروعها كما طوق الحصار بلادها. إن من يشاهد هذه السيدة الطموحة، وشعلة الحماس التي تحركها وكيفية توظيف ذكائها؛ سيشكك في مصداقية المقولة السابقة.

على الرغم من تأكيدها بان الثقافة إن لم تطعم خبزاً فإنها تطعم عقلاً؛ لكنها بحسن التصرف لابد أن تطعم خبزاً وفيراً. سر نجاح هذه السيدة في الاعتماد على الذات والمثابرة وعدم الاستسلام للكسل أو الاتكال والتواكل.

والاهم هو تحدي الحصار الذي قامت به، واختراقه بكل وسيلة متاحة حيث لا يخلو الأمر من وسائل مشروعة. هي نموذج للأفكار الطموحة، والفكر المتطور؛ ذلك الذي لا يصادر رأيا للآخر، ولا يلغيه أو يحاول التغلب عليه والتسلط، باعتبار من يمتلك المال يملك القوة؛ فكيف بمن يمتلك العقل معه أيضاً.

تؤكد الليبية فاطمة حقيق التي تدير مشروعها المنفذ على مساحة 1300 متر مربع من الكتب انها جعلت الطفل هدفها الأساس؛ ولم تبخل بتزويده بالكتاب المجاني؛ فاعتنت بالتصدير إليه بالدرجة الأولى، ونجحت بابتكار طرائق ووسائل للوصول إلى ذائقته وعقله.

أما على صعيد النشر والتوزيع العام فلم ترفض كتابا قط، ولم تهمل آخر مهما اختلفت مع أفكاره وتوجهاته. فالكتاب هو الكائن الوحيد الذي إن اختلفنا معه ووضعناه على الرف؛ فإن ذلك؛ لا يجعل بيننا وبينه خصومة أبدا! لا شك إذن من ضرورة النجاح وتوفر الرزق عبر مشاريع الثقافة ؟! ولعل الأمل والجد يستبدلان المقولة.