كل راو.. هو جبل من المخزون الإنساني والقيمي المحفوظ في الصدور المحكمة. وخير فعلت إدارة التراث بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة التي درجت إلى البحث عن الموروث المحفوظ قليله في السطور وكثيره في الصدور، وهو المصدر الأهم قبل أن ينداح ويندثر بفعل حكم الطبيعة التي لا تراهن على الذاكرة تماما كما لا تراهن.
وقد وصلت في توثيقها لهذه السلسلة إلى الجزء الثامن، وهو الجزء الذي خصص للراوي جمعة بن حميد بن خلفان آل علي والمعنون بــ"ذاكرة حية بين البر والبحر".
وقد يكون كل ــ إن لم يكن أغلب ــ جيل الرواة يقرؤون بفضل قراءة القرآن، لكنهم لا يكتبون في الغالب، ومن هنا تأتي أهمية وضرورة ما ذهبت إليه الإدارة قبل فوات الأوان.
والإصدار الثامن أعده كل من نجود معضد الشامسي ومحمد عبد السميع يوسف، وقد تناول نشأة الراوي جمعة بن حميد وحياته وأعماله، إلى جانب التراث البحري باعتباره مصدر الرزق الأساسي في الماضي.
ويشرح أحد الفصول المظاهر الشعبية في الحياة الاجتماعية الإماراتية، ويعدد الأماكن التي لها حضور في ذاكرة الراوي جمعة، وتدرج مجموعة من أشعاره حسب المناسبات والمواقف التي يعبر عنها جمعة في زمانه ــ كما كان يفعل أي فرد في السابق ــ بشجاعة وتلقائية لا تحجبها محسوبية، ولا تثنيها وسائل عقوبات.
وإذ يثمن المرء بادرة الإدارة في جمع وتوثيق هذا المخزون من الموروث، فإنه يأمل في ألا تهمل أية شاردة ولا واردة مما تفيض بها ذاكرة الأجداد الحية، وألا تهمل العناصر النسائية، والتي بلا شك تمتلك من هذا المخزون الكثير.. الذي قد يتقاطع مع ما يحفظه الرجال وقد يتكامل وقد يتشابه.
كما يأمل المرء بألا تخضع المادة إلى مساحة محددة بعدد صفحات، فلا تتجاوزها، بل تجبرها على التقليص والحذف، أو إلى استخدام اصغر بنوط الحروف، الأمر الذي جعل بعض الرواة يفكرون بإعادة طبع الإصدارات التي خصصت لسيرهم وذكرياتهم على حسابهم الخاص غير مدركين أن في الأمر مخالفة وتجاوز كما هي اعتبارات اليوم ، بقدر ما يرونها خدمة كما هي اعتبارات الأمس.
هؤلاء هم الرواة جبل من المعاني الفطرية النابضة حتى اليوم.
falhudaidi@albayan.ae