قدري أنني تعرفت على الكثيرين من المبدعين بحكم المهنة، والهواية، والغواية، ومنذ صغر سني وأنا أرافقهم جيلاً بعد جيل، أصاحبهم، أعيش معهم، أحضر بعض لحظات المخاض عند العديد منهم، أو ربما أطلع على بعض المسودات التي لا يطلع عليها آخرون.

عندي بعض المسودات الأولية لقصائد الراحل سلطان بن علي العويس، أحتفظ ببعض آثار مخطوطة لصديقي وأستاذي الراحل حسيب كيالي، سلمها لي بيده وكنا نسهر في قرية ربيع الصحراء في الطريق بين دبي وأبوظبي، وطلب مني أن أحتفظ بها وأوصى بعدم نشرها.

أما أستاذي الدكتور عبد القادر القط فأحتفظ له بعدد من الصور الفوتوغرافية التي التقطها بنفسه فهو هاو مبدع.لكن صديقي ورفيق صباي وشبابي الملحن المبدع كوكب حمزة الذي ما زالت ألحانه ترددها أصوات المطربين والمطربات من أجيال مختلفة، فله قصة أخرى، فهو لا يملك صوتاً جميلاً.

إنما حنجرته متميزة كتميز ألحانه، وكنا نجتمع في بيته ونحن عصبة من الفنانين، كلما لحن أغنية جديدة، إذ كان من حرصه أن نسمعها أولاً، مما أدى إلى انطباع أغانيه في ذاكرتي.

وأخذت أذني ترفض سماع تلك الأغاني من مطربين آخرين على الرغم من جودة أدائهم وحلاوة أصواتهم، أمثال يا طيور الطايرة، وامشي أكول وأوصلت، وغيرهما من الأغنيات التي بقيت خالدة في أذن المستمع، حتى هذه اللحظة.

وحينما التقي بأخي كوكب حمزة تحت أي سماء من سماوات مدن المنفى أركن إليه وأتوسل لأسمع تلك الأغنيات من صوته علّ يحمل لنا هذا التكرار من شجون وذكريات واستعراض للعديد من الزملاء الذي افترقنا عنهم قسراً، وآخرون رحلوا قبل موعدهم.

أما نزار قباني.. هذه القامة الشامخة، والعملاق في إبداعه، فإنه من الصعب علي أن أتقبل من يشخص، شخصيته أو يتقمصها.. لقد كان قدري أن تتفتح مراهقتي على قصائده الغزلية،.

ونضوجي العقلي على قصائده الوطنية، وأن يقودني القدر للتعرف عليه شخصياً، وارتبط بعد ذلك بشرف صداقته، والجلوس معه، والسهر والحديث الذي لا ينقطع، وأن أحضر أمسياته التي ينشد بها قصائده.

وهو يملك حضوراً على المنصة يفتقدها معظم الشعراء، كل تلك العوامل جعلتني أتابع المسلسل الذي عرض خلال شهر رمضان عن حياته بحيادية شديدة، حاولت الاقتناع فلم أستطع فشتان بين الواقع والصورة، بين الشاعر والمشخصاتي، بين الإنسان الحي ومقلده، بين الأصل والصورة.

فليعذرني الممثل الذي مثل شخصية نزار قباني، لم يكن رديئاً أبداً، أنه ممثل رائع، فالعلة ليست به، إنما صورة نزار ما زالت مرسومة في الذهن، والقلب، والذاكرة، وهي ليست بعيدة، تتجدد دائماً كلما رجعت إلى واحد من دواوينه المزينة بتوقيعه الشخصي، حتى اكتشفت أنه أهداني أكثر من نسخة أحياناً، وحرصت على الاحتفاظ بهذه النسخ المكررة لأحتفظ بتوقيعه وكلماته المخصصة لي.

أجد أنه من الصعوبة على ممثل مهما بلغت موهبته أن يمثل شخصية نزار قباني، ربما سيكون المسلسل مقبولاً عند الذين لم يتعرفوا إلى نزار عن قرب، لكن أي شخص تعرف إلى نزار بشكل حميمي ودقيق سيشعر بما أشعره، والأسباب عديدة منها:

٭ شخصية نزار قباني المتميزة، الشفافة، الرومانسية، الثائرة، الهادئة، الطفولية جداً، العملاقة جداً، البسيطة جداً، المخيفة جداً، الحساسة، المرهفة الذكية، الطيبة الحنونة.

وهكذا يمكن تعداد عشرات الصفات التي كان الراحل العظيم يمتلكها في شخصيته كشاعر لا شبيه له، تماماً مثل أبي تمام، أو المتنبي، أو المعري، أو حسان، أو امرئ القيس، أو الجواهري.

فأي ممثل يمكن ان يستوعب عشرات الشخصيات في شخصية واحدة؟

لا أعتقد أن الممثل استطاع ان يؤدي دوره الذي ينبغي ان يلعبه مع شخصية كشخصية العملاق نزار، وإذا ما استطاع ان يحقق شيئا فإنه لم يحقق سوى نسبة بسيطة من الشخصية التي أعرفها.

٭ لم يقنعني الممثل بأداء قصائد نزار قباني، فأداء نزار لا يدركه الا هو، هو يعرف متى يشدد، ومتى يتبسط، ومتى يمد ومتى يجزم، هو ساحر في أداء قصائده، هو تماما مثل أم كلثوم لا يمكن تقليده، وفي اعتقادي ان شعراء القرن العشرين امتاز بينهم ثلاثة في الإلقاء، الجواهري ونزار قباني ومحمود درويش حاليا فهم سمفونيات لا تمل سماعها!

وعندي ما يثبت ما ذهبت إليه، فلعلنا عند الرجوع الى الشرائط المسجلة لنزار وهو يلقي قصائده لتقارن بما شاهدناه في المسلسل لنتحسس الفارق بين الاداءين، بل وبين الحنجرتين، الأصل، والتقليد.

٭ حضور نزار على الخشبة هو الآخر كان حضورا متميزا.. تماما أراه مثل انتوني كوين في فيلم زوربا اليوناني، هو حضور لا يملك أحد ان يقلده، لأنه موهبة من الخالق وليس ظاهرة مكتسبة.

٭ شكل نزار قباني له تأثير خاص على المتلقي، وحتى على العلاقة مع الآخر، ليس جميلا في تفاصيل المقاطع، إنما جماله الرجولي متكامل ومتداخل بين الجزء والكل. وتبرز شخصيته حتى لو كان بين العشرات.

ربما استطيع ان استرسل في المقارنة بين المسلسل، ونزار قباني، وأنا أدرك ان شهادتي مجروحة وليست محايدة، إنما أنا أدرك ان ما ذكرته آنفا هو أقل ما يمكن ان أقوله في المقارنة بين الشخصية وظلها، بين الصورة والأصل، بين الحي الملموس، والمشخصاتية.

ويبقى الزملاء الذين أدوا أدوار نزار بمراحل حياته المختلفة مبدعين من الدرجة الأولى، وشجعاناً وفرساناً لأنهم حاولوا ان يقربوا صورة نزار بقدر المستطاع إلى المتلقي العادي.