لا يكل المثقفون ولايملون من وضع مسألة اصلاح الثقافة العربية، أو كما تم تغييرمصطلحها بــ »التطوير والتحديث« على موائد نقاشهم، إلا أن هذه المناقشات غالبا ما تتم في جلسات مغلقة.
وعبر لغة حوار شفهية غير موثقة، ولاتستند إلى إحصاءات وحقائق مدونة، فلا يرتقي اللقاء إلى أكثر من مجرد حوار طرشان، ينتهي إلى التعليب حتى مناسبة قادمة.
فهل يخشى المثقف مثلا من المبادرة نحو عملية التطوير الفعلية؟ وهل يتجنب النقاش المدروس القائم على البحث العلمي، والمقترحات العملية خوفا من المسؤولية العملية، أوتهربا من الالتزام الفعلي؟
وهل تراه يتحاشى القيام بما يعرف في نفسه عدم امتلاكه موهبة، أو قدرة القيام به، وغياب المهارة في تقديمه؛ لكون الميدان هو المحك؟! أم انه يأمل باغراءات ذات جدوى واقعية، وضمانات أمان اكبر؟
لكأن الواقع الثقافي ما عاد يعني حامل لواء التغيير التاريخي، وما عاد الآخر.. ذلك الذي وكّله بأن يكون المتحدث الرسمي عنه.. الضمني والعلني، العاطفي والسياسي، الاجتماعي والإنساني.. ماعاد يشكّل جانبا محوريا من همه، أو أهدافه الواجبة كما يبدو.
فإلى متى تستمر أزمة الثقة بين المثقف والمؤسسة؟! خاصة أن هذه الاخيرة توجه دعوة رسمية صريحة للقيام بعملية التغيير، وهي بذلك لا تترك مجالا للريبة والخوف، او الاختلاف على ضرورة هذه العملية، وبالتالي لامجال في التشكيك بجدية الدعوة، فلم يتسمر المثقف ولايحرك ساكنا ؟
هل لأنه استمرأ الركود؛ فاستكان لسلامة الراحة؛ حتى ضمن أمان الكسل ؟ أم هي عمليّة رضا واقتناع، لدرجة الخضوع لواقع بدأت المؤسسة الرسمية نفسها بمحاولة نفضه؟
لكن المعني بهذا الشأن يتقاعس عند الجد؛ فلا يتردد في الاعتراف كما فعل البعض من المثقفين بأنهم لايملكون الشجاعة على التخلي عن أوضاعهم الوظيفية، وليس لديهم الاستعداد للمقايضة بمكتسباتهم.
في سبيل الدخول في مغامرة عامة غير مضمونة النتائج، إلا في أن تفقدهم مكتسباتهم الشخصية، حين يجد واحدهم نفسه في فوهة مدفع التفعيل وحيدا؛ يفتقد المساندة، ولا يجد التعويض، ثم لا يحصد بعد ذلك سوى خسارته الشخصية. فإلى متى إذن يستمر المثقف في شكواه من سلبية الواقع الثقافي.
ومعطياته السطحية، وهبوط مستواه، وتقلّص رواده؛ مكتفيا بالتلميح والتذمر والاستياء، وهو أغلب ما تنم عنه لقاءات البحث في حال الثقافة، وذلك في انتظار من يقرع الجرس أولا؟
ربما ليحظى بأولوية المشاهدة؛ والاكتفاء بالفرجة! بينما لا يتردد البعض الآخر أمام التصريح باستحالة نجاح عملية الإصلاح، ذلك لأن الواقع تجاوز كل مراحل الترقيع؛ وأوشك على الاهتراء.
falhudaidi@albayan.ae