بماذا «نتساير» الليلة وقد كسرت سيقانها؟! وبماذا نتحدث وقد عقد لسانها؟ لماذا يضعون التجاعيد على سحنتها عمداً وهي يافعة نضرة؟ ألانها محفوظة في الذكر وكفى؟!
عندما نلج إليها يبيض اجتهادنا، وعندما نغادر تسود وجوهنا كالفحم من المهانة. لماذا تسبل عينيها، ويغير اسمها، ويعسف بوظيفتها؟ لماذا تنبعج مثل ورق قصدير مستهلك؟ لماذا تترك حافية على سطور الدفاتر؟
لما تدفع إلى الإعاقة الحركية؟ لماذا تفرغ من حقائب الأطفال المدرسية؟ لماذا تترك يتيمة بين الكواكب؟ لما تغتال في القصص الحديثة؟ لما تحبس في الأدراج المغبرة؟ لما الإصرار على انتزاع جذورها من أعماقنا لكي لا تنمو؟ لما يدفع بها إلى المنفى البعيد؟ لما يضيق على خصرها النطاق؟ ويدق في صدرها نصب أظافر مشددة؟
لماذا يجرح جسد اللغة باختلاف الحروف جراحا بليغة؟ وتحبس في صدرها عبارات البلاغة؟ لما يغرس الغموض في وضوحها؟ لما تقطع أنفاسها في سباق المغارات غير المبرر؟ ولما تزاحمها الأبجدية الباردة لتسبقها ؟ هل تصبح حناجرنا متاحف لآثارها؟ كيف تفارقنا وهي في عيوننا المغمضة؟ وكيف نرتق الأرحام المثقوبة في غيابها؟ وبماذا نغطي جلودنا؟
وكيف تستباح وهي كل ما تبقى من ممتلكاتنا؟ كيف نهدهد أطفالنا في المهد؟! وكيف ينتهي التثاؤب حين يصبح الفجر في غيابها؟ وبم ستشد أوتار الفصول؟ وفي أي ربيع يمكن أن نميز ألوان الزهور؟ وبأي الصفوف المتوازية سننتظر؟ كيف نفتح أفواهنا حين يصبح الفهم لدغة أفعى؟ وتصبح الكتابة شتاء بلا غطاء ولا دواة؟ وتصبح القراءة انحناءة للخرس، و«نصف انحناءة» للسرير؟
عندها من سيوقظ الزفرات؟ ومن سيلقن المحتضر شهادة ذهاب جسده المسجى؟ ترى هل ترفض اللغة الإمعان في زحزحتها؟ وهل ستصمد رغم الخلخلة ؟ فتقاوم الانمحاء؟! وهي تركل في كل المؤسسات، وتبعد عن كل المرافق؟!!
falhudaidi@albayan.ae