تعج ساحات الأوساط الثقافية بأنماط من المثقفين والمتثاقفين، والشعراء والمستشعرين، وغيرهم ممن تنطبق عليهم التوصيفات بنوعيها، ولا تستثنى الساحة المحلية من وجودهم؛ إلا أنها لاتخلو ـ فيما ندر ـ من حملة أقلام ناقدة من المتمكنين.
وأما المدعون فلهم الكثرة، تكشفهم أساليبهم في التناول الذي يتخذ أسلوب الجلد تارة، وكيل المديح المجمل تارة أخرى؛ حتى لا يجد المرء معينا يستند به إلى هذا الرأي أو ذاك؛ إذ يأخذه كل منهما إلى طرف توجهه أو حافة مبتغاه.
ولا يتردد هؤلاء في الاعتراف بأنهم يتجنبون الخوض في سلبيات النص عن سابق قصد لكي لاينفر المبدع من الكتابة، أو من نوع الفن الأدبي الذي استهواه. فتجد أن كل ما يقومون به أنهم يعيدون شرح صور الكاتب كما عناها بنفسه.
وان أضافوا فإنهم يضيفون المزيد من رتوش التجميل على الشكل؛ لكنهم لا يجهدون أنفسهم في البحث حول احتمالات المضمون ما يعتبر ملهاة عنه؛ الأمر الذي يجعل الشكوى من غياب النقد الموضوعي، والبناء دائمة ومستمرة؛ يطالب على إثرها المبدعون والمبتدئون تحديدا عمن يشرح كتاباتهم؛ مبدين استعدادهم لتقبل النقد بصدر رحب.
وهو الأمر المشكوك في حقيقته؛ حيث لا تستعد للنقد إلا قلة قليلة بل نادرة ممن تطالب به؛ هذا إن وجدت، ولهذه يُلتمس العذر. في هذا السياق نذكر رأيا للدكتور عبدالله الغذامي حيث يؤكد انه إن لم يقم بلي عنق النص واستخلاص ما بضميره والخروج بما لم يأت به الكاتب صراحة؛ فإنه لايعتبر نفسه أضاف.
وعلى الباحث أن يحرف النص إلى مساق آخر؛ فإن وجد فيه ما يؤيده فإن النص يحتمل التأويل لأنه يحتوي على ما يستحق، وهذا وحده ما يدع إلى التغيير، ومن دونه لا سبيل إلى التغيير الذي ننادي به، ويدعو إليه الكثيرون؛ لكنهم لا يقومون بما من شأنه أن يدفع نحوه. و
على «الناقد أن يميز بين نية المؤلف ونية القارئ ونية النص خاصة أن الناقد اقل نرجسية من الشاعر والكاتب؛ بدليل أن النقاد يتحدثون عن غيرهم بينما الشعراء والكتاب لا يتكلمون إلا عن أنفسهم، والنقد هو بداية لترسيخ مبدأ أن يكون للآخر شأن أكثر من الذات».
هذا ما يطمح إليه المهتمون؛ لكن الواقع في أكثر جوانبه يشير إلى وجود نقاد مصابين بنرجسية أكثر من نرجسية الشعراء والكتاب؛ يعملون على ترويج أسمائهم وتسويقها على حساب النص وضميره. فهل تحظى الساحة بمن يجتهد جادا في سبيل التغيير المطلوب حتى لا تظل تراوح مكانها؟!
falhudaidi@albayan.ae