مجلس التحرير
ينظر كثيرون إلى العملات المستقرة، شأنها شأن صناعة العملات الرقمية بشكل عام، باعتبارها حلاً يبحث عن مشكلة. لكن هذا التوصيف غير منصف، فعندما يتعلق الأمر بالمدفوعات العابرة للحدود ذات التكلفة العالية، فقد حدد المتحمسون للعملات الرقمية مشكلةً يمكن أن تُسهم العملات المستقرة في حلها، ولكن ليس للأسباب التي يعتقدها البعض.
والعملات المستقرة هي نوع من العملات الرقمية التي تعمل على تقنية سلسلة الكتل (البلوك تشين)، كما هي الحال مع البيتكوين، ولكن قيمتها مرتبطة بعملة تقليدية. وقد روّجت شركات التكنولوجيا المالية والبنوك الكبرى للعملات المستقرة كوسيلة لإحداث نقلة نوعية في التحويلات الدولية، لا سيما في الولايات المتحدة. ومن بين المتحمسين لها: شركات وبنوك مثل سترايب وباي بال، وبنك أوف أمريكا وجيه بي مورغان، المشاركان في شبكة «زيل» للدفع بين البنوك.
وعالمياً، يبلغ متوسط تكلفة إرسال حوالة بقيمة 200 دولار أمريكي أكثر من 6% من قيمة المعاملة، وفقاً للبنك الدولي. كما يتم إثقال كاهل الشركات برسوم باهظة. ويعتقد دعاة العملات المستقرة أن بإمكانهم خفض هذه الرسوم بشكل كبير باستخدام تقنيات أفضل والاستغناء عن الوسطاء.
إن حجم السوق هائل لدرجة أنه حتى الرسوم البسيطة التي تُفرض مقابل تسهيل التحويلات تتراكم بسرعة. وتتراوح تقديرات القيمة السنوية للمدفوعات عبر الحدود بين أرقام ضخمة للغاية - حوالي 200 تريليون دولار، وفقاً لشركة «إف إكس سي إنتيليجنس» - وأرقام خيالية تصل إلى تريليون دولار، وفقاً لتقرير حديث صادر عن صندوق النقد الدولي. ولنتخيل كم هذا الرقم هائل فهو يتكون من 15 صفراً.
وقد أثبتت العديد من شركات التكنولوجيا المالية بالفعل إمكانية خفض تكاليف الدفع دون ابتكار تقنية جديدة كلياً - تستهلك كميات هائلة من الطاقة. وعلى سبيل المثال، قامت شركة «وايز» المدرجة في بورصة لندن بتحويل 85 مليار جنيه إسترليني عبر الحدود في الأشهر الستة المنتهية في سبتمبر، بمتوسط رسوم يزيد قليلاً على 0.5%.
وتؤكد «وايز» أنها لا تُفضل التقنيات التي تستخدمها، وأنها ستتحول إلى العملات المستقرة بكل سرور إذا أسهمت في خفض تكلفة التحويلات، لكنها حتى الآن، لا تزال غير مقتنعة، فالتكاليف تتأثر بشكل كبير بإجراءات قوانين مكافحة غسل الأموال وغيرها من اللوائح، بقدر ما تتأثر بالتحديات المتعلقة بالبرمجيات والأنظمة.
ربما يكون هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه العملات المستقرة. فمن المفترض أن تتحمل هذه العملات، على الأقل، جزءاً من التكاليف التنظيمية التي تتحملها حالياً الشركات والمنصات التي تسعى إلى منافسة ما هو قائم، مما يحد من قدرتها على التفوق على سابقاتها فيما يتعلق بفروق أسعار الصرف والرسوم الأخرى.
على سبيل المثال، يمكن لمستخدمي خدمة «كوين بيس» المتقدمة شراء وتحويل عملة USDC الخاصة بشركة سيركل بتكلفة منخفضة للغاية، على الأقل بعملات الأسواق المتقدمة. لكن المستخدم الجديد للخدمة الافتراضية عليه أن يدفع فرق سعر صرف بنسبة 0.5%، إضافة إلى رسوم تحويل لإرسال الأموال إلى حساب آخر. وقد يدفع المستلم رسوماً إضافية لتحويلها مرة أخرى إلى عملة ورقية.
ولا يعني هذا أن العملات المستقرة لا دور لها في تطوير النظام المالي، فأحد أسباب ارتفاع تكلفة المدفوعات الدولية تاريخياً هو مواجهة العملاء لقلة من البائعين. ويبقى الخيار محصوراً في عدد قليل من البنوك الكبيرة والشركات المتخصصة مثل ويسترن يونيون، ما يعني أن بإمكان مزودي الخدمات فرض رسوم باهظة وغير شفافة.
وقد أجبرت شركات مثل «وايز» و«ريفولوت» في المملكة المتحدة البنوك التقليدية على خفض رسومها. ومن الممكن أن يحذو حذوها تدفق اللاعبين الجدد في الولايات المتحدة وغيرها. وعموماً، فإن التكنولوجيا التي تقوم عليها العملات المستقرة ذكية، لكن العامل الحاسم قد يكون ببساطة المنافسة التقليدية.
