غرينلاند ليست جوهرة للتعدين كما يظنها البعض

أنجانا أهوجا

قبل وقت طويل من أن يجذب بريق جليد غرينلاند أنظار دونالد ترامب الطامعة، كانت المعادن الكامنة تحته تأسر قلوب الآخرين. وكان من بين هؤلاء المفتونين كارل لودفيج جيسيكي، الممثل الذي تحول إلى عالم متخصص في المعادن، والذي تقطعت به السبل في الجزيرة خلال الحروب النابليونية.

واستخدم جيسيكي عدة أسماء مستعارة خلال مسيرته المهنية الحافلة بالأحداث والرحلات حول العالم، بما في ذلك عمله كتاجر معادن، فقد جاب غرينلاند في أوائل القرن التاسع عشر، جامعاً قائمة بكنوز الجزيرة المعدنية. وتضمنت مذكراته، التي تُشير إلى معرفة مسبقة بالإنويت، وصفاً للكريوليت، الذي كان يُستخرج هناك حصرياً منذ خمسينيات القرن التاسع عشر، ويُعرف باسم «الذهب الأبيض» نظراً لقيمته الصناعية كمادة مضافة كيميائية (فيما يجري اليوم استخدام بدائل صناعية).

منذ ذلك الحين، يتطلع المنقبون إلى هذه المنطقة، وقد أكد ترامب أن غرينلاند ضمن اهتماماته، فموقعها الاستراتيجي في نصف الكرة الغربي، بين كندا وأوروبا، من شأنه أن يعزز النفوذ الأمريكي ويوفر طرقاً ملاحية جديدة مع ذوبان الجليد في القطب الشمالي، لكن يعتقد الكثيرون أنه يضع التعدين نصب عينيه.

وتشير جيولوجيا غرينلاند إلى وجود رواسب معدنية مهمة، إضافة إلى الذهب والأحجار الكريمة ومعادن مجموعة البلاتين (المستخدمة في المحولات الحفازة) والليثيوم والتيتانيوم والتنغستن والنحاس والجرافيت، وغيرها. ويكتمل هذا التوقع باحتمالية وجود احتياطيات من النفط والغاز في المياه الإقليمية.

لكن صورتها كجنة متجمدة غنية بالأحجار الكريمة قد تكون مبالغاً فيها. وتقول كاثرين غودينوف، كبيرة الجيولوجيين في هيئة المسح الجيولوجي البريطانية والخبيرة في جيولوجيا العناصر الأرضية النادرة: «غرينلاند ليست غنية بالمعادن بشكل استثنائي. كما أن أياً من رواسبها المعدنية ليس فريداً من نوعه. وتتشابه الجزيرة جيولوجياً مع كندا والدول الغنية بالمعادن في شمال أوروبا، فضلاً عن المناطق الغنية بالمعادن في أفريقيا وأمريكا الجنوبية وأستراليا. بل إن هذه الدول تتميز بتاريخ جيولوجي عريق يمتد لمليارات السنين، وقد شهدت أحداثاً جيولوجية متنوعة، مثل اصطدام القارات، مما سمح بتكون الكثير من الرواسب المعدنية».

خلصت دراسة استقصائية أجرتها هيئة المسح الجيولوجي الدنماركية والغرينلاندية عام 2023، إلى أن الجزيرة - وهي إقليم دنماركي يتمتع بالحكم الذاتي - تحتوي على رواسب غير مستغلة من المواد الخام الحيوية. وهذه المواد، التي يعرفها الاتحاد الأوروبي بأنها ضرورية للتقدم، بما في ذلك التحول إلى الطاقة النظيفة، وتخضع لمخاطر الإمداد، ولا بدائل قابلة للتطبيق لها.

غالباً ما توجد هذه المواد داخل ترسبات، وهي تكوينات جيولوجية تتشكل نتيجة اندفاع الصهارة عبر الصخور الموجودة ثم تبرد قبل وصولها إلى السطح. وتحتوي جنوب غرينلاند على صخور نارية يعتقد أنها تحوي كميات هائلة من العناصر الأرضية النادرة، وهي مجموعة مرغوبة من العناصر تشمل التيربيوم والنيوديميوم والسكانديوم والإيتريوم. وتُستخدم هذه العناصر في صناعة شاشات الهواتف الذكية، إضافة إلى التقنيات الخضراء والدفاعية. لكن معالجتها تمثل تحدياً.

وتصف كاثرين غودينوف خامات جنوب غرينلاند بأنها شديدة التعقيد وذات تركيب معدني غير عادي. كما أن التضاريس وعرة، حيث يُغطى الجليد حوالي 80% من غرينلاند. ويتوزع سكان الجزيرة البالغ عددهم 57,000 نسمة على مساحة 2.2 مليون كيلومتر مربع، مع بنية تحتية محدودة. ولا يُمكن الوصول إلى العديد من المناطق إلا بالقوارب أو المروحيات في الأحوال الجوية الجيدة. وتضيف أن العديد من الشركات الخاصة تستكشف المناطق المرخصة، لكن «لم تنجح أي شركة في افتتاح منجم للعناصر الأرضية النادرة في المنطقة، وذلك بسبب مجموعة من التحديات الجيولوجية والبيئية والهندسية والاقتصادية والاجتماعية».

وقال ديوغو روزا، الجيولوجي الاقتصادي الذي أسهم في إعداد مسح معادن غرينلاند لعام 2023، إنه على الرغم من أن الجزيرة لا تتمتع بوفرة أكبر من وجهات التعدين العالمية الأخرى، إلا أن بعدها الجغرافي وقلة عمليات التنقيب فيها يزيدان من احتمالية اكتشافات مهمة. وأشار إلى أن تغير المناخ سيفتح أيضاً طرقاً جديدة لشحن الخامات، لا سيما من المضايق البحرية المتجمدة الشمالية. ومع ذلك، فقد أقر بأن نقص الخرائط الجيولوجية الدقيقة يجعل التعدين التجاري صعباً في الوقت الراهن.

وبالعودة إلى كارل لودفيج جيسيكي، فقد واصل بعد جرينلاند مسيرته الغريبة في الحياة. وقد أمضى سنواته الأخيرة متنكراً في زي السير تشارلز لويس جيسيكي، بعد أن نال تكريماً من ملك الدنمارك. وفي مرحلة ما، ادعى أنه كتب نص أوبرا «الناي السحري» لموزارت. وتشير السجلات إلى أن جيسيكي اتُهم أيضاً بالكذب والاحتيال.

ويشعر المرء أن روح هذا الخبير المعدني، رجل عالم الاستعراض السابق الذي لم يكن يحب أن يركن إلى الهدوء وكان حريصاً على استكشاف غرينلاند، لاتزال حاضرة حتى اليوم.